"التجويع المتعمد" سلاح صامت ضد المدنيين في اليمن
- علي سالم الإثنين, 17 أبريل, 2017 - 12:09 مساءً

"ليس لدي غيرها بس لازم نشفق على بعضنا" تقول سيدة صنعانية في الأربعين من عمرها مشيرة إلى 50 ريالاً (أي أقل من ربع دولار) أعطتها لرجل في الشارع مد يده إليها مدعياً أنه جائع. فلئن انحسر القتال في غالبية المناطق أو صار مألوفاً لدى السكان، إلا أن الجوع بات الخطر المحدق باليمنيين وقاتلهم الحقيقي.

ويستغرب الموظف الحكومي مروان (37 عاما) مما سماه "تلذذ" الانقلابيين في رؤية الفقراء يموتون ببطء أمام أعينهم، متسائلاً بنبرة غضب ويأس "أي دين هذا الذي يدين به هؤلاء؟".

ويــوجــد أكثر من مــليــون موظف حــكومـــي يـــعانـــون وعــائلاتهم نتيجة توقف الحكومة عن صرف مرتباتهم منذ نحو 7 شهور وهؤلاء هم الفقراء الجدد إضافة إلى حوالى 17 مليون فقير وفق التقديرات الأممية.

وبدخول الصراع في اليمن عامه الثالث بات "التجويع المتعمد" كما يرى البعض هو الخطر الحقيقي والداهم لغالبية السكان في البلد الأفقر والأقل استقراراً.

ووفق الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية دولية، فإن عشر محافظات يمنية من أصل 22 وصلت إلى حافة المجاعة، فيما دخلت محافظات الحديدة وتعز وصعدة مرحلة المجاعة المعلنة.

ويقول مروان لصحيفة "الحياة" إنه أصبح يتناول وجبة واحدة خلال 24 ساعة عبارة عن كمية قليلة من البطاطا المسلوقة والكدم (نوع من الخبز) يشتريهما بمئتي ريال (أي ما يعادل أقل من دولار واحد).

وإلى ذلك، لا يعرف مروان الذي يعمل في صنعاء كيف تتدبر أسرته القاطنة في محافظة الحديدة عيشها. ويذكر أنه صار يتعمد إغلاق هاتفه الخليوي كي لا يرد على اتصالات أسرته "لأنني لا أعرف ماذا أقول لهم في حال شكوا لي جوعهم".

واضطر شبان يمنيون كثر إلى ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بجبهات القتال سواء في صفوف القوات الشرعية أو مع الانقلابيين، علماً إن هؤلاء يذهبون إلى الجبهة ليس حباً في القتال فحسب بل تحت ضغط الفاقة والجوع. وهي الأسباب نفسها تقريباً التي دفعت يمنيين خلال النصف الأول من القرن العشرين إلى الانخراط في قوات المحور والحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

وترى الناشطة بهية سعيد أن التوافق غير المعلن بين الحكومة الشرعية والانقلابيين على تجويع اليمنيين هدفه رفد الجبهات بمزيد من المقاتلين تحت ضغط الحاجة.

وشبيه من هذه الاتهامات يوجه إلى المنظمات الدولية التي يرى كثيرون أن تحذيراتها المتكررة بشأن المجاعة تستهدف حشد التمويل وليس حل مشكلة الجوع أصلاً، نظراً إلى أن الجزء الأعظم من المساعدات الإنسانية يذهب إلى محازبي الأطراف المتصارعة وإلى السوق السوداء عوضاً عن المحتاجين الحقيقيين لها على ما كشفت تقارير كثيرة.

ويقول البعض إن المشكلة ليست في انعدام السلع كما تزعم بعض المنظمات بل في عدم القدرة على شرائها، مستدلين بما أعلنته أخيراً وزارة التجارة والصناعة في صنعاء، عن عزمها إصدار البطاقة التموينية للموظفين تسمح لهم بالحصول على احتياجاتهم من السلع العينية بدلاً من الدفع نقداً.

وتفيد التقارير الأممية بأن أربعة من كل خمسة يمنيين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي يعتمدون على وجبة واحدة في اليوم ولا يؤمّنون طعامهم لليوم التالي.

ووفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) فإن نحو 63 ألف يمني ماتوا العام الماضي لأسباب يمكن تفاديها، أكثرها متعلق بسوء التغذية، في حين لم يزد عدد الذين قتلوا العام الماضي بسبب النزاع المسلح عن 3 آلاف شخص وفق ما رصدت تقارير حقوقية وصحافية.

وعلى رغم الخلفية المهنية في المجال الإنساني للمبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ، والذي كان التعويل عليه كبيراً لدى تعيينه، إلا أنه ركز نشاطه على الجانب السياسي ولم يول الجانب الإنساني اهتماما كبيراً، وفق منتقدين.

وفي وقت بات التسول مشهداً مألوفاً في صنعاء ومحافظات عدة، أطلق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وسم #أنا-جايع- فيما يحضّر ناشطون في تعز لتنظيم مسيرة تتجه إلى عدن للمطالبة بصرف الرواتب.

وكانت حكومة أحمد بن دغر المعترف بها دوليًا والتي تتخذ من عدن عاصمة موقتة لها، تعهدت عقب قرار نقل البنك المركزي إلى عدن بصرف رواتب جميع الموظفين بمن فيهم في المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيا الانقلابية، غير أن حكومة بن دغر لم تلتزم بتعهداتها باستثناء صرف راتب شهر واحد للمعلمين في صنعاء وبعض المناطق.

ولئن تسببت الحرب في زيادة رقعة الفقر والتسرب من التعليم، غير أنها أنتجت فئات طفيلية تثرى يوماً بعد يوم وتجد في الحرب فرصتها للغنى السريع بحيث صار الفساد وشراء الذمم وتوظيف المحاسيب سمة مشتركة لأطراف الصراع.

المصدر: صحيفة الحياة


التعليقات