أوراق ميدانية من شرق أفريقيا.. صومال ممزق "2"
- الجزيرة نت - أحمد الشلفي الأحد, 18 سبتمبر, 2022 - 03:02 مساءً
أوراق ميدانية من شرق أفريقيا.. صومال ممزق

[ الكاتب: توغل القوات الإثيوبية في مقديشو حيث طردت القوات الإثيوبية اتحاد المحاكم الإسلامية (وكالة الأناضول) ]

عدت من جديد عام 2007 لتغطية دخول القوات الإثيوبية إلى الصومال، لكني سأستمر في تذكر ما حدث عام 2006.

 

عندما وصلت إلى مكتب الجزيرة في مقديشو وضعنا والمصور حقائبنا في الغرف المخصصة لنا وطلبت أن أخرج لتصوير تقرير، وبعد تردد بسبب خطورة الوضع استجابوا لطلبي وخرجت فعلا ولكن برفقة سيارتين فيهما مسلحون من أجل الحماية.

 

كان الوضع هادئا والباعة والبائعات في الشوارع والمحال مفتوحة والطرق ترابية والحالة أفظع مما تخيلت كأن مقديشو قرية خرجت لتوها من معركة، أجريت مقابلاتي والتقطت بعض الصور، وبينما كنت أنهي خاتمة التقرير إذا بطلقات من الرصاص تطلق بالقرب منا، عندها وجدتني ألملم نفسي وأعود من جديد من حيث أتيت لأرسل أول تقرير، ما زلت أتذكر تلك اللقطة التي استخدمتها في تقريري لبقايا الأعيرة النارية المتناثرة في الشارع الذي كنا فيه، وهي صورة ما زالت عالقة في ذاكرتي رغم مرور 16 عاما.

 

كنت أحرص على أن أقدم النصح للصحفيين الجدد ولأعضاء الفرق التي تعمل معي للحفاظ على حياتهم واتباع قاعدة "الخبر ليس أهم من حياتك"

 

صورة واحدة عالقة في الذاكرة قد تكون مسؤولة عن حفظ جميع الصور أو إعادة نبشها عند محاولة التذكر أو الكتابة من جديد.

 

ندمت لأنني لم أوثق لحظات كهذه، وقليل من صحفيي جيلنا من يوثق لأحداث عاصرها أو مر بها، وعندما تعود للكتابة بعد 16 عاما يبدو الأمر مثل أن تعصر ذاكرتك فلا تحصل على شيء.

 

قتل صحفيون كثر في الصومال، والسبب هو عدم أخذ الاحتياط وعدم احترام قواعد السلامة المهنية، لكنني استفدت لاحقا من بعض التجارب في حياتي المهنية بالميدان، وفي ما بعد كنت أحرص على أن أقدم النصح للصحفيين الجدد وللفرق التي تعمل معي للحفاظ على حياتهم واتباع قاعدة "الخبر ليس أهم من حياتك"، وهي نصيحة ذهبية خبرتها وتعلمتها من الميدان.

 

مظهر شيخ شريف بالثوب والشال ووجهه الهادئ كانا يظهرانه كداعية إسلامي، لكنه في السنوات اللاحقة أثبت أنه أكثر من ذلك

 

كانت الأيام هادئة في الصومال إلى حد ما، وهي تحت سيطرة اتحاد المحاكم الإسلامية، وقد التقيت رئيسها شيخ شريف في هذه الرحلة في مقديشو وأجريت معه حوارا خاطفا، ثم التقيته من جديد في مدينة عدن اليمنية عام 2006 عندما قدم الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح كما أتذكر مقترحا للتفاوض بين الفرقاء الصوماليين.

 

من بعيد يمكنك ملاحظة سمت شيخ شريف الهادئ وقدرته على إقناع وقيادة من حوله، لكنني في ذلك الوقت لم أخطأ في اعتقادي بأنه براغماتي وله علاقاته التي ظهرت في ما بعد، فقد كان أكثر عمقا من زعماء المحاكم الآخرين، ولاحقا تشرذمت المحاكم واختلف قادتها.

 

بعد هروبه من مقديشو ثم عودته رئيسا للصومال عام 2009 نسج شريف علاقات مع الأميركيين وغيرهم من دول أفريقيا ودول المنطقة.

 

مظهر شيخ شريف بالثوب والشال ووجهه الهادئ كانا يظهرانه كداعية إسلامي، لكنه في السنوات اللاحقة أثبت أنه أكثر من ذلك، ولا أدري أين انسحب الآن.

 

غادرت الصومال في 2006 بمجموعة من الذكريات عن تلك البلاد التي ذاقت ويلات الحرب، ورغم محاولات تطبيع الحياة فيها فإن هاجس الفوضى ما زال يطل برأسه بين الحين والآخر، ولا أعتقد أنها ستتعافى من جراح الحرب تماما رغم كل المحاولات.

 

لم يدم زمن اتحاد المحاكم الإسلامية كثيرا، ففي العام 2007 عدت إلى الصومال من جديد لتغطية توغل القوات الإثيوبية فيها حيث طردت القوات الإثيوبية اتحاد المحاكم الإسلامية، ومن مقديشو مرورا بمناطق أخرى إلى بيداوا تتبعت بتقارير آثار المعارك بين القوات الإثيوبية واتحاد المحاكم الإسلامية وأعددت تقارير حولها، ثم أقمت فترة طويلة في بيداوا حيث مقر البرلمان الصومالي.

 

إذا كانت مقديشو في ذلك الوقت خرجت من رحم الحرب فإن بيداوا خرجت من رحم الغبار والتاريخ، لقد كانت إقامة صعبة في ذلك الظرف في بيداوا، وأتذكر كم كانت سبل العيش صعبة هناك مع المصور المرافق لي، ومع ذلك كنا نتغلب على كل الصعوبات والمشاكل التقنية وننجز تقارير نرسلها إلى مقر القناة في الدوحة.

 

كان الصومال كما رأيته آنذاك صورة واضحة لقهر الحرب ولأي بلد يتخلى أبناؤه عنه فيلد أمراء حرب يخربون بيوتهم بأيديهم

 

زرت الصومال عام 2006 ثم عام 2007، وهي في حالة صعبة من الموت والخراب والدمار، ومر ما يزيد على 30 عاما منذ انهيار نظام محمد سياد بري، تفكك الصومال ولم يعد كما كان ولن يعود كما كان إلا بصيغة أخرى، هذا إذا استقر الحال في تلك البلاد البعيدة والمتميزة بالموقع والجغرافيا والتي يطمح أهلها ككل البلاد التي شهدت الحرب لأن يتركها العالم لتعيش بسلام.

 

خلت أنني لدى وصولي إلى مقديشو سأجد أمامي الدبابات الإثيوبية والمعارك على أشدها، لكنني عندما وصلت في المرة الثانية عام 2007 وجدت أن القوات الإثيوبية قد حسمت الموقف لصالحها وطردت اتحاد المحاكم الإسلامية، لكن القوات الإثيوبية اضطرت لاحقا لمغادرة الصومال في 2009 تحت وقع هجمات كبيرة ضدها، وبتسهيل من السفير اليمني حينها تمكنت من إجراء مقابلة خاصة مع الرئيس الصومالي الراحل عبد الله يوسف.

 

في تلك الفترة رأيت بأم عيني ماذا يعني أن تدخل بلاد حربا، وكيف تغير الحرب ملامح الحياة ووجوه الناس، وكيف يمكن أن يتحول بلد ينبض بالحياة إلى ركام.

 

كان الصومال كما رأيته آنذاك صورة واضحة لقهر الحرب ولأي بلد يتخلى أبناؤه عنه فيلد أمراء حرب يخربون بيوتهم بأيديهم ويقسمونه إلى الصومال بعاصمته مقديشو وبونت لاند وأرض الصومال.

 

ظللنا 20 يوما في بيداوا -وكانت مقرا للبرلمان الصومالي- نغطي جلسات البرلمان ونرسل تقارير مختلفة.

 

لاحقا، زرت بوصاصو أو بونت لاند التي تعتبر نفسها دولة لها حكومتها وحكمها الذاتي، ولاحقا عرفت في شاشات العالم أنها مدينة لقراصنة الصومال ولم تكن أقل بؤسا من مقديشو حيث الفقر وانعدام كل شيء.

 

لن أنسى ما حدث لي في بوصاصو في ديسمبر/كانون الأول 2006، فقد كانت شاشات التلفاز يوم عيد الأضحى تعرض مشهد إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، كان حدثا كبيرا وصادما له دلالاته بالنسبة لي وللعالم، لكنني كنت أشاهد مصدوما من بوصاصو الصومالية حيث البلد الممزق والمقسم الذي يرمق بشفقة بلدا آخر هو العراق يهوي في نفق الحرب والموت والدمار والطائفية التي لم يخرج منها حتى اللحظة.

 


التعليقات