المقاومة المركبة: الموقف الدولي من انفصال جنوب اليمن
السبت, 11 مايو, 2024 - 08:20 مساءً

هناك عدد من العوامل التي تحول دون نجاح مشروع انفصال جنوب اليمن، لكن أهمها يتعلق بالموقف الدولي. فبالإضافة إلى غياب الظروف الأيديولوجية والسياسية الدولية التي كانت تؤمنها مثلاً الحرب الباردة للحركات الانفصالية، لا تتمتع مشاريع وحركات الانفصال عموماً بسمعة جيدة لدى المجتمع الدولي وينظر إليها بعين الريبة. هذا الوضع عكس نفسه في انحسار نزعات ومشاريع الانفصال حول العالم في العقود الأخيرة، حتى أن بعض الحركات الانفصالية الشهيرة قررت حل نفسها، كما حصل مع منظمة إيتا التي تطالب منذ عام 1959م باستقلال إقليم الباسك عن إسبانيا.
 
وأظهر المجتمع الدولي ومازال موقفاً معارضاً لتجزئة اليمن، وعبر عن هذا الموقف بشكل متكرر من خلال مواقف الدول والقوى الدولية الرئيسية، وكذلك من خلال المؤسسات الدولية، فقد سبق ورفض مجلس الأمن انفصال الجنوب في قراريه رقم (924) و(931) عام 1994، وتؤكد كل قرارات المجلس اللاحقة بشأن الملف اليمني على وحدة وسيادة اليمن. إجمالاً، ما من دولة حول العالم بمقدورها أن تؤيد انفصال الجنوب أو تعترف بدولة جنوبية مستقلة أو تدعم مشروع الانفصال على نحو صريح وإلى النهاية. ولا يتعلق الأمر بالصعوبات القانونية فقط، ولكن أيضاً بحسابات وعوامل سياسية عديدة متداخلة تتعلق بالأمن والعلاقات الدولية والمصالح المتقاطعة بين الدول، حتى أن هذه العوامل والحسابات قد يكون لها الأسبقية على المسألة القانونية.
 
1.         لا يتوفر مشروع انفصال الجنوب على سند قانوني محلي وذلك باعتبار الجمهورية اليمنية وفقاً لدستورها كياناً تأسس كدولة بسيطة، وباعتبار الوحدة تمت بإرادة سياسية حرة والأهم بإرادة شعبية عبر عنها استفتاء عام على دستور حظي بموافقة 98% من المشاركين فيه، وكذلك باعتبار ما ينص عليه هذا الدستور من كون الجمهورية اليمنية وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز التنازل عن أي جزءٍ منها. ومن جهة أخرى، لا يتوفر هذا المشروع على الشروط القانونية التي يتطلبها القانون الدولي العام لينطبق عليه حق تقرير المصير، فهذا الحق إنما ينطبق على السكان الذين هم تحت الاحتلال أو الاستعمار، والوضع الجنوبي لا يعكس وضعاً استعمارياً، كما أن الجنوبيين لا يصنفون بالمعنى القانوني أو الثقافي أو العرقي جماعة مختلفة عن باقي سكان اليمن، وبالتالي فهذا المشروع يفتقر إلى البعد التحرري، وهو بدلاً من ذلك مؤسس على دوافع وخلافات سياسة ومبني على طموحات اقتصادية، وهو بهذا المعني خلافاً داخلياً ويستهدف وحدة الدولة وسيادتها.
 
2.         وبالإضافة إلى أن انفصال الجنوب لا يحظى بإجماع جنوبي ولا يعكس نزعة جنوبية موحدة، يعبر مشروع انفصال الجنوب عن نفسه من خلال حوامل سياسية عديدة، وفشلت حتى الآن كل مشاريع ومبادرات توحيد الصف الجنوبي. وفي موازاة هذا المشروع ثمة مشاريع انفصالية فرعية جنوبية أخرى متأهبة. هذه المشاريع التي بدأت تعبر عن نفسها بصور صريحة وضمنية خجولة في حضرموت وشبوة والمهرة تقوم كالحال مع مشروع انفصال الجنوب على الطموح الاقتصادي أو طموح الدولة الغنية قليلة السكان. وإذا كانت " ثروات الجنوب" وحلم الدولة الغنية محركاً رئيسياً لانفصاليي الجنوب فإن حلم الدويلة الأصغر والأقل سكاناً سيكون بطبيعة الحال أقوى وأكثر قدرة على تحريك الطموحات الانفصالية في مناطق الثروة كحضرموت وشبوة. وهذا الوضع الذي يُضعف من قوة مشروع انفصال الجنوب لا يعطي مبرراً إضافياً لمعارضة المجتمع الدولي للانفصال فقط، ولكنه يشير أيضاً إلى نوع من مقاومة محلية جنوبية محتملة.
 
3.         لدى مختلف دول العالم حساسية عالية من موضوع انفصال الدول، وليس ذلك بسبب تعقيد المسألة القانونية، ولكن أيضا بسبب حساسيته السياسية ونتائجه الأمنية، فاعتراف أي دولة بأي حالة انفصالية سيكون سابقة، ولا تريد أي دولة أن تمنح غيرها سببا للاعتراف بأي جماعة انفصالية فيها الآن أو مستقبلاً. وقد لا تعاني بعض الدول من مثل هذه النزعات، لكن دولا صديقة أو حليفة لها تعاني منها، وحتى لو لم يكن هذا هو الحال فالدول حريصة على عدم استفزاز تلك الدول التي توجد فيها نزعات انفصالية، فالنزعات الانفصالية موجودة في دول كثيرة ومهمة، كروسيا والصين والهند وإيران وتركيا وبلجيكا وأسبابا والمغرب والعراق وسوريا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والدنمارك والمانيا وباكستان وتركستان واندونيسيا والفلبين والكاميرون ونيجيريا وانغولا ومالي واثيوبيا والصومال. والاعتراف بحالات انفصالية قد يكون له تأثير الدومينو وسيعني تهديداً لعديد الدول بالتفكك، وسيكون له أيضاً أضرارا مباشرة أو غير مباشرة على أي دولة تقدم على هذا الاعتراف. 
 
4.         ومن وجهة نظر المجتمع الدولي تتسبب مشاريع الانفصال دوماً بالمزيد من الصراعات التي تقوض الأمن والاستقرار العالمي، ولديه مخاوف قوية من أن يؤدي انفصال الجنوب إلى خلق فوضى كبيرة، فهذا الانفصال إذا ما أُعلن وأُعترف به سيتسبب بفوضى عارمة، إذ سيؤدي إلى ردود فعل غاضبة ومتطرفة محلياً، وصراع طويل الأمد ومتعدد الأبعاد ستمتد آثارة لتهدد منطقة حساسة للأمن والسلم الدوليين وللاقتصاد العالمي، خصوصاً في ضوء حالة الاستقطاب العالية في الملف اليمني، وستكون الجماعات المتطرفة المستفيد الأكبر من كل ذلك.
 
5.         تصح الاعتبارات السالفة عند الدول الإقليمية الداعمة لبعض الكيانات الانفصالية، بحيث يمكن القول إنها لن تكون قادرة على دعم مشروع الانفصال إلى النهاية ولا على الاعتراف بأي حالة انفصالية يتم إعلانها في اليمن على أي صورة، ولذلك فدعمها لكيانات محلية انفصالية لا يتقصد دعم مشروع الانفصال بالضرورة، ويتقصد أهدافاً أخرى. علاوة على ذلك، فدعمها لهذه الكيانات ليست نهائية وتظل عرضة للتغير، بل لعل تغيرها مسألة وقت ليس إلا، فتغير كهذا تفرضه الحاجة إلى إغلاق ملف الحرب في اليمن، ولا يتوقع التوصل إلى اتفاق سلام دون وقف هذا الدعم. 
 
6.         ومازال ارتباط أصحاب مشروع الانفصال بأطراف إقليمية داعمة لهم نقطة ضعف إضافية لهذا المشروع، هذا الارتباط يجعل من مقاومة مشروع الانفصال ليس فقط مسألة محلية وإنما مقاومة إقليمية من خلال المنافسين الإقليميين للدول الداعمة. وهذا الأمر يضاف إلى أسباب قلق المجتمع الدولي وتوقعه أن يؤدي انفصال الجنوب إلى فوضى تضر بالأمن الإقليمي والدولي.
 
أخيراً قد يراهن انفصاليو جنوب اليمن على تغير هذا الموقف الدولي أو على الأقل على تغير مواقف بعض الدول، لكن ذلك الرهان غير واقعي أيضاً، فحالات كشمال قبرص، وأبخازيا وأوسيتيا في جورجيا، وأرض الصومال تعطينا أمثلة عن حالات انفصالية قائمة كأمر واقع منذ وقت طويل ولم تحظ مع ذلك باعتراف دولي ولم تتغير خلال هذا الوقت مواقف المجتمع الدولي منها.

*مقال خاص بالموقع بوست

التعليقات