سلطان القدسي

سلطان القدسي

كاتب وباحث يمني

كل الكتابات
المغترب بين عقلية القرية وقوانين الدولة
السبت, 24 يناير, 2026 - 02:05 مساءً

إن الهجرة من جبال اليمن ووديانها إلى مدن الولايات المتحدة الأمريكية ليست مجرد رحلة عبر المحيطات، بل هي هجرة حضارية تتطلب زادا من الوعي والعلم يفوق زاد المال والمتاع وما نشهده اليوم في واقع الكثير من الأسر المهاجرة هو حالة من التيه الاجتماعي الذي أدى إلى نتائج كارثية تبدأ من تفكك الأسر وتصل إلى قاعات المحاكم والقبور حيث أننا أمام أزمة مركبة لا يمكن علاجها إلا بمواجهة عيوبنا وتسمية الأشياء بمسمياتها.
 
 تبدأ هذه المعضلة من لحظة اختيار شريك الحياة حيث يصر الكثير من المغتربين على الارتباط بامرأة من بيئة قروية شديدة الانغلاق لم تنل حظا من التعليم ولا تملك أدنى مقومات الانفتاح الثقافي وحين تنتقل هذه الزوجة إلى أمريكا تظل حبيسة جدران المنزل تجهل اللغة والقوانين وما يدرسه أبناؤها، وهذا النوع من الشراكة يخلق أما وظيفتها بيولوجية فقط في الإطعام والتنظيف، بينما تظل غائبة تماما عن دورها كصانعة أجيال فهي تعيش في أمريكا جسدا ولكن عقلها لا يزال محبوسا خلف الجبال مما يجعلها عاجزة عن حماية أطفالها من التيارات الجارفة.
 
وفي المقابل نجد الأب الذي يسعى نحو المال الحرام ويجعل جمع الدولار إلها معبودا فيزج بنفسه في أعمال تخالف الفطرة والقانون كبيع الممنوعات والحشيش وهنا يسقط الوازع الديني أمام بريق المال فكيف ننتظر من أب يغذي أبناءه من سحت أن يخرجوا صالحين يضاف إلى ذلك آفة القات وهدر الوقت في المغلقات لساعات طويلة، حيث يهرب الأب من مسؤوليته التربوية وضجيج الأبناء إلى حالة من التخدير الجماعي تاركا خلفه فراغا يملؤه الشارع والنت.
 
وبسبب هذا الجهل تضطر الأم لممارسة التربية بالصراخ والضرب والزمجرة وهي لا تعلم أن القانون الأمريكي يترصد لهذه التصرفات وأنها تدفع أبناءها للارتماء في أحضان المنظمات التي تسحب الأطفال من أهاليهم، والأخطر من ذلك هو ما نراه اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي من متحدثين يحللون هذه القضايا بطريقة عشوائية تضر ولا تنفع فهم يروجون لهوس المراقبة وتفتيش الجوالات كحل وحيد وهذا عجز تربوي يتم تغطيته بالتسلط فالمراقبة الجسدية في بلد الانفتاح معركة خاسرة والتكنولوجيا أذكى من الرقيب.
 
والحل ليس في الجهاز بل في بناء الضمير والرقابة الذاتية، فمن راقب الله وتعلم بوعي لن تضره الأجهزة أما التربية بالكهنوت وما أريكم إلا ما أرى، فهي لا تخلق إلا مراهقا منافقا يعيش بشخصيتين، كما أن استخدام اليمن كفزاعة أو تهديد بالترحيل كعقاب هو جريمة تزرع كراهية الوطن في نفوس الأبناء وتصور اليمن كأنه سجن للنفي والتنكيل.
 
ومن المظاهر المؤلمة أيضا ما نراه في أوساط الجالية من بذخ فاحش وتفاخر بالمراكب الفارهة والزنط في صالات الأفراح والمغلقات وهو تفاخر زائف ومقزز حين نعلم أن مصدر هذه الأموال هو بيع الحشيش والمخدرات، فعلى ماذا تتفشخر وعلى ماذا تفتخر، وأنت تأكل وتطعم أهلك حراما.
 
إن هذا البذخ يعطي انطباعا سيئا عن الوطن الأم، وعن الشخصية اليمنية، فالإنسان السوي يفتخر بتعليمه وثقافته وتربيته بأخلاقه لا بمال ملوث أو بضياع ساعات العمر في تخزين القات والافتخار به وبسبب البخل والرغبة في توفير المال يختار الأب السكن في أحياء موبوءة فيدفع ضريبة ذلك من أخلاق أبناءه الذين يتلقون قيمهم من رفاق العصابات.
 
لذلك فإن النجاة تقتضي الاستثمار في عقل الابن بدلا من عمارة اليمن، وذلك بالانتقال إلى أحياء راقية ومدارس متميزة وتأهيل الأم تعليميا وقانونيا لتعلم اللغة وفهم المجتمع وتحريم المال المشبوه قولا وفعلا وبناء جسور الثقة والحوار مع الأبناء بدلا من الضرب والتهديد والاقتداء بالنماذج اليمنية المشرفة التي وصلت إلى الصدارة في العلم والسياسة والتجارة الحلال فأمريكا بلد يمنحك ما تريد إن أردت القمة فكل السبل ميسرة وإن أردت القاع والحرام فقد اخترت نهايتك بيدك فكن مواطنا صالحا أو لا تبرح جبالك.
 

التعليقات