كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واحدة من أعمق الأزمات البنيوية في العالم العربي “أزمة المثقف”
لم يعد للمثقف العربي لون ولا بوصلة ولا فكرة غاب المشروع العربي، فتداخلت الاتجاهات والولاءات، وانقسم المثقفون العرب حول مشاريع ومعارك الخصوم والمنافسين التي تستهدف تقويض الوجود السياسي والاقتصادي والحضاري للعرب.
توهان جماعي مريع، وكأننا نمشي وفق سيناريو مُعدٍّ لنا سلفًا.
لا أحد يطرق باب الغياب، لا أحد يطرح سؤال الذات؛ لا الهوية حاضرة، ولا المصلحة جامعة، ولا الحاضر المخيف ولا المستقبل الأشد إخافة مستفزان للمراجعة وإعادة التفكير.
الجميع منساقون ومنقسمون في نقاشات سطحية واصطفافات مخجلة.
حتى منطق التفكير السياسي والاستراتيجي ومقتضيات المصلحة غائب تمامًا، وكأن فيروسًا ما ضرب العقلية النخبوية العربية وجعلها غير قادرة على التفكير العميق والمركب.
الثأر والمذهب والطائفة والأيديولوجيا وحدها من تحرك العقل العربي الجمعي، الذي نسي وجوده وأصبح جزءًا من مشاريع خصومه.
وللمفارقة تبدو منظومة السلطة في الأقطار العربية، وخصوصًا المستهدفة، أكثر إدراكًا وديناميكية في التعاطي مع الأخطار والحرب المحيطة بالجغرافيا العربية من النخبة ، لكنها تفعل ذلك كتكتيك مرحلي وبشكل منفرد، وما زالت عاجزة عن التحرك بشكل جماعي وبأفق استراتيجي يتناسب مع حجم التحدي ويعيد إنتاج ثقلها الحضاري ووزنها المؤثر في المعادلة الدولية.
وبالحديث عن ثنائية النخبة والسلطة، أو السلطة والمثقف في العالم العربي، فالواضح أن هناك إشكالية بنيوية في ذهنية المثقف العربي وفي تعريفه لنفسه، ولها بالطبع سياق تاريخي مرتبط بطبيعة نشأة الثقافة والمثقف والدولة.
وعطفًا على هذا السياق التاريخي يمكن اعتبار أن مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هي المرحلة التي بدأ فيها المثقف العربي يمارس الثقافة كمهنة وعمل سياسي يومي، بمعنى أن مفهوم المثقف هنا تجاوز القدرة على إنتاج الأفكار وتنظيم الوعي كمهمة اجتماعية – من منظور أنطونيو غرامشي – إلى التكليف الذاتي بمهمة انتقاد السلطة، وهي أبرز سمات المثقف عند إدوارد سعيد وميشيل فوكو مثلًا.
وبطبيعة الحال، فقد كان المزاج الثقافي والأيديولوجي في تلك الفترة، وخصوصًا في القاهرة، مزاجًا يساريًا ماركسيًا.
ووفقًا للتقسيم الماركسي الاجتماعي، فالمثقفون هم منتجو الأفكار، الحاملون للأيديولوجيا، والمفسرون لطبيعة الصراع الطبقي.
كما أن الفكر الماركسي يولّد مزاجًا ثوريًا حادًا لدى حامله، وهو ما جعل المثقف في تلك المرحلة في حالة صدام مباشر ومستمر مع السلطة.
ومن هنا تولّدت واحدة من أبرز أزمات المثقف العربي، وهي الاعتقاد بأنه لن يحوز صفة وشرعية المثقف إلا إذا دخل في حالة صدام مع السلطة، وأصبح في قائمة المطلوبين والمعتقلين، ومن ينتظرون “زوار الفجر” وهم في كامل أناقتهم.
أما النوع الآخر من المثقفين، والذين أصبحوا نهجًا وتيارًا في مرحلة لاحقة، فهم المثقفون الليبراليون المبشرون بالقيم الأمريكية والمفتونون بالنموذج الغربي.
هؤلاء لا يؤمنون بخصوصية المجتمعات ولا يعترفون بالسياقات التاريخية والتراكمات، مندفعون بحماسة مفرطة لتحقيق مفهوم “الإنسان الكوني”، ويرون أن كل شيء في مجتمعاتهم متأخر. وهؤلاء لديهم أزمتهم الخاصة، وهي أزمة هوية في المقام الأول
بمعنى أن المثقف العربي لم يتحول يومًا إلى ما يسميه أنطونيو غرامشي “المثقف العضوي”، أي المثقف المرتبط عضوياً بقضايا مجتمعه والقادر على تنظيم وعيه التاريخي بل ظل في معظم الحالات إما مثقفًا أيديولوجيًا يعيش صراعات الماضي، أو مثقفًا معولمًا يستعير أسئلة الغرب وإجاباته وفي الحالتين غاب المثقف القادر على قراءة التحولات الاستراتيجية الكبرى التي تعيد تشكيل وجوده المادي والسياسي
كلا النموذجين غير مجدٍ وهدّام، على الأقل من وجهة نظر السلطة. بمعنى أن هناك أزمة حقيقية في العالم العربي بين السلطة والمثقف، وهي أزمة ثقة، والسبب فيها مشترك.
فالمثقف ظل محصورًا في أزماته التاريخية والذاتية وقيمه المستوردة، وعجز عن إعادة تعريف نفسه ودوره.
أما منظومة السلطة في العالم العربي فلم تهيئ المجال والمناخ المناسبين لعمل مراجعة مشتركة تعيد تصحيح البناء والترابط بين جميع الفئات الاجتماعية.
وهذا ما خلق فجوة كبيرة بين السلطة والمثقف، وأبرز تجلياتها التباين الكبير بين تعامل السلطة مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتفاعل المثقف معها فالموقفان على النقيضين، والحقيقة أن تعامل السلطة يبدو أكثر واقعية وإدراكًا لطبيعة ما يجري في المنطقة من طبقة المثقفين المنقسمين في تأييد طرفي الحرب.
ما تكشفه الحرب الدائرة حول إيران ليس فقط اختلال موازين القوة في الشرق الأوسط، بل اختلالًا أعمق في البنية الذهنية للنخبة العربية.
فبينما تعيد القوى الدولية رسم خرائط النفوذ والتحالفات، ما يزال المثقف العربي أسير ثنائيات أيديولوجية وطائفية ضيقة.
وهكذا يجد العرب أنفسهم في لحظة تاريخية فارقة بلا بوصلة فكرية جامعة، ولا نخبة قادرة على قراءة التحولات الكبرى أو صياغة مشروع حضاري جديد وربما تكون هذه هي المأساة العربية الحقيقية.