سلطان القدسي

سلطان القدسي

كاتب وباحث يمني

كل الكتابات
الفكرة التي لا تموت
الجمعة, 03 أبريل, 2026 - 09:04 مساءً

​في ميزان التاريخ الإنساني، ثمة فارق جوهري بين "السياسي" الذي يستهلكه الزمن و"المناضل الرمز" الذي يزداد بريقاً كلما تقادم العهد على رحيله. ونحن نمر بالذكرى الواحدة والستين لاستشهاد أبي الأحرار، محمد محمود الزبيري، وزير التربية والتعليم اليمني الذي اغتيل في الأول من أبريل عام 1965، نجد أنفسنا أمام ظاهرة فريدة تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية؛ فالزبيري لم يكن مجرد رجل دولة، بل كان "بوصلة أخلاقية" صاغت وجدان أمة بأكملها. إن التاريخ يعمل كمصفاة دقيقة، حيث تذوب الأسماء التي ارتبطت بمشاريع السلطة الضيقة أو الأجندات الهدامة، بينما يرتفع اسم الزبيري شامخاً كمنارة لا تخطئها عين، رغم مرور ستة عقود على غيابه الجسدي.
 
​لقد جسد الزبيري في مسيرته العملية والوطنية جوهر القدوة القرآنية في تحمل المسؤولية، متمثلاً بروح الآية الكريمة: "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"، فلم يسعَ للمنصب تشريفاً، بل تكليفاً لحفظ هوية الأمة وعلمها. وحين اختاره الشعب لمهمة التنوير والتربية، كان التجسيد الحي لقوله تعالى: "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"؛ فقد اجتمعت فيه قوة الموقف والكلمة مع أمانة الحفاظ على دماء الشهداء وأحلام البسطاء. هذه النزاهة الفريدة هي التي جعلت محاولات اغتياله المعنوية تبوء بالفشل، رغم سعي خصومه اللدودين وأعداء الفكر الجمهوري إلى "سحبه" من أذهان اليمنيين وتشويه سيرته النقية.
 
​لقد وصل الإفلاس بخصوم الزبيري إلى محاولة اغتيال رمزيته عبر شاشات القنوات المشبوهة، في سعيٍ يائس لضرب صورته من الداخل عبر استغلال بعض أقربائه وتوظيفهم في قوالب إعلامية تهدف للنيل من تاريخه الناصع. لكن هذه المحاولات لم تزد الشعب اليمني إلا تمسكاً برمزه؛ فاليمنيون يدركون أن الزبيري صار ملكاً للوطن وتاريخه، ولا يمكن لأي محاولة "اختراق عائلي" أو "تزييف إعلامي" أن تنال من جبلٍ أشم وهب حياته للشعب. كما فشلت قبلها محاولات العبث بالذاكرة البصرية للمدن، حين حاول الخصوم تغيير اسم "شارع الزبيري" في قلب العاصمة، ظناً منهم أن محو الاسم من لافتات الطرق سيؤدي بالضرورة إلى محوه من القلوب. لكن الحقيقة أثبتت عكس ذلك تماماً؛ فقد رفض الشعب الانصياع لهذه المحاولات، وظل الشارع في لسان كل مواطن هو "شارع الزبيري"، لأن هذا الاسم يمثل مساراً للحرية قبل أن يكون مجرد عنوان بريدي.
 
​إن سر خلود الزبيري يكمن في أنه لم يترك خلفه قصوراً ولا أرصدة، بل ترك "مدرسة" من القيم تتلمذ عليها الشعب اليمني بأكمله. فكل يمني اليوم يرفض الارتهان ويؤمن بكرامة الإنسان هو بالضرورة تلميذ في مدرسة الزبيري، وإن لم تسمح له الظروف السياسية الراهنة بالتعبير عن ذلك علناً. لقد تحول الزبيري من شخص إلى "فكرة"، والأفكار لا تموت بالرصاص ولا تُدفن بالنسيان المتعمد الذي يمارسه الخصوم. إن التمسك الشعبي بذكراه اليوم هو الاستفتاء الحقيقي والوحيد على فشل أصحاب المشاريع الصغيرة الذين أرادوا لليمن أن يظل تحت وطأة الجهل والتبعية.
 
​إن واجبنا اليوم تجاه هؤلاء الشهداء العظماء لا يتوقف عند حدود الاحتفاء العاطفي، بل يمتد ليكون التزاماً أخلاقياً ووطنياً بحماية المبادئ التي سكبوا دماءهم من أجلها. إن الوفاء للزبيري يعني الاستمرارية في معركة الوعي التي بدأها حين كان يحمل الكتاب في يد والسلاح في اليد الأخرى، مؤكداً أن معركة التحرر تبدأ من العقل. سيبقى الزبيري "وزيراً دائمياً" في قلوب الأحرار، وكلما حاول خصومه إطفاء نوره، زاد لمعاناً وشموخاً، ليبقى الدليل القاطع على أن الأوطان لا تُبنى إلا على أكتاف المخلصين الذين تذوب ذواتهم لتسكن في ضمير شعوبهم إلى الأبد.
 

التعليقات