ظننا، وليس كل الظن إثمًا، أن السعودية قد غيّرت موقفها تجاه وحدة اليمن، والكفّ عن الإمعان في إضعافه، بعد ترسيم الحدود عام 2000. والحقيقة أننا لاحظنا بوادر إيجابية في عهد الملك عبدالله، وشطرًا من عهد الملك سلمان.
ولا أتهم القيادة السعودية الشابة، لكن الحرس القديم عاد يمارس تأثيره وهواياته وسياساته في إنهاك اليمن وإضعافه. وكان آخر موقف سعودي علني داعم لوحدة اليمن في قمة الظهران، على لسان الملك سلمان عام 2018.
وقد فهمنا لاحقًا من تصريحات السفير السعودي، محمد آل جابر، أن وحدة بلادنا قابلة للتفاوض في نظرهم، وترتيباتهم، ومواقفهم، وسياساتهم، وهو ما يفعلونه الآن علنًا وصراحة.
وهم يدعمون وحدة السودان والصومال وليبيا وسوريا، ولهم مواقف حازمة تجاه كل ذلك، أما جارهم اليمن، فكل شيء فيه قابل للتفاوض والأخذ والرد، بما في ذلك وحدة ترابه الوطني.
ما يجري الآن في الرياض يأتي في سياق ما جرى خلال السنوات العشر الماضية، وهو تسمين وتضخيم مشروع التجزئة والانفصال، وتدليله في اليمن، والترويج له إقليميًا ودوليًا. وهو لا يخرج عن الموقف السعودي والإماراتي الذي تجلّى عام 1994 في دعم واضح وصارخ وقوي لمحاولة فرض الانفصال بقوة السلاح.
وما حال دون اندفاع السعودية ضد وحدة اليمن عام 1990 هو تأييد العراق للوحدة، وكان العراق آنذاك سيّد المنطقة، قبل كارثة غزو الكويت، ثم حصار العراق وتدميره لاحقًا.
وإذا تذكرنا أن التحالف فرض الانفصاليين في الحكومة والرئاسة دون تخليهم عن مشروع الانفصال، وأن عمليات التحرير توقفت عند حدود الشطرين السابقة، فإن ما يحدث الآن ليس منفصلًا عما سبقه، بل هو امتداد له، ومقدمة لما سيأتي بعده.
وقد ترى السعودية أن الانفصال الناجز ليس هدفًا سهل التحقيق في المدى القريب، بسبب تعقيدات دولية وإقليمية ومحلية، لكن قد يتحقق الشق الأهم من الاستراتيجية الدائمة في اليمن: دولة هشة، ضعيفة، منهكة، مشتتة، وممتهَنة، تحت عناوين فضفاضة مثل التقاسم والمحاصصة والفيدرالية أو ما يشبهها. والجديد في الأمر أنه لم تعد هناك قيادة ولا دولة تتبنى الدفاع عن اليمن، بعد تحطيم ما تبقى منها على يد التحالف، خلال عشر سنوات من التخريب، واستغلال نكبة الحـ ـوثي.
وفي الماضي، كان هناك قادة في صنعاء وقادة في عدن ينافحون عن كرامة اليمن عند اللزوم، ثم كانت الجمهورية اليمنية. أما الآن، فهناك "الثمانية" الذين عيّنهم التحالف نفسه، وكانوا موزعين بين دولتي التحالف، فأصبحوا جميعًا من نصيب المملكة، خاضعين لما تريده، الآن وإلى أجل غير مسمى.
وأقدّر أن مستوىً معقولًا من صحوة يمنية شعبية حاسمة كفيل بالحد من هذا العبث والاستهتار بشعب لا يستحق كل ذلك من أشقائه الأثرياء ، والطامعين… ربما!
*نقلا عن صفحة الكاتب في فيسبوك