أحمد الزرقة يكتب: بدون رئاسة وحكومة ومؤسسات في الداخل ستستمر الفوضى هي الحاكم
- أحمد الزرقة الثلاثاء, 03 فبراير, 2026 - 02:58 مساءً
أحمد الزرقة يكتب: بدون رئاسة وحكومة ومؤسسات في الداخل ستستمر الفوضى هي الحاكم

[ رئيس الحكومة شائع الزنداني خلال لقائه الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن - سبأ ]

 

كل يوم يمضي دون تشكيل الحكومة، وعودة المجلس الرئاسي لإدارة البلاد من داخلها، ومغادرة الرياض، يؤدي إلى تفاقم الإشكالات واستمرار المعضلة اليمنية، المتمثلة في ظهور تحديات جديدة ناجمة عن فراغ الإدارة والحكم.

 

1

 

“القرارات الكبرى” تُقاس بالأثر والتغير الذي تُحدثه على الأرض. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، قصة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تم الإعلان عن حله وتفكيكه من قبل عدد من قياداته الذين ذهبوا إلى الرياض طمعًا وخوفًا، نجد أنه بعد أيام قليلة قام أولئك وغيرهم ممن ذهبوا إلى أبوظبي بتعبئة الشارع في عدن والمحافظات المحيطة بها، ثم عادتُ الصراع إلى المربع الأول: حلٌّ على الورق، وهيمنةٌ وسيطرةٌ على الأرض، وبمسميات جديدة، غير أن اللافتة لم تتغير، والولاءات لم تتحول.

 

ومن تلك اللحظة، صار السؤال الحقيقي الأكثر قسوة: من الذي يحكم عدن اليوم؟ ليس من حيث الخطاب، بل من حيث مفاتيح الحركة، والأمن، والمقار، والقرار.

 

2

 

مغادرة زعيم الانتقالي عيدروس الزبيدي عدن في ظروف ما زالت ملتبسة، كانت تحمل في طياتها تعريفًا لطبيعة العلاقة بين الداخل والخارج، وإشارة إلى أن القرار يتنقل خارج الحدود عندما تضيق مساحة القرار داخله.

 

الوقائع السياسية تقول إن الرياض حاولت أن تجمع الأطراف في غرفة واحدة لتعيد ضبط الإيقاع، لكن الإيقاع نفسه كان قد خرج من الغرفة، منذ رضخت الرياض لشروط اللعبة التي وضعتها أبوظبي، والمتمثلة في رفع سقف الخطاب الانفصالي من قلب الرياض، وإعادة تعيين رجال بن زايد وأدواته، وإسناد تأمين المدينة للقوات التي رضعت الحليب والمال الإماراتي منذ تأسيسها في 2016. وحين يحدث ذلك، لا يعود “حلّ الانتقالي” حلًا، كونه قرارًا لم يكتمل ولم يُطبَّق على القوات التابعة له. وذلك يعني أن حل الانتقالي مجرد لافتة تُرفع لتهدئة لحظة ما بعد المواجهة المباشرة مع الإمارات، بينما تستمر شبكة النفوذ على الأرض كما هي.

 

3

 

المعضلة الكبرى منذ الانقلاب الحوثي المشؤوم، وتدخل التحالف السعودي الإماراتي بعد ذلك، أدخلت البلاد والشرعية المصابة بالعطب في الرأس في دوامة لا تنتهي، بسبب أن القرار كان دائمًا موزعًا بين الشركاء والأدوات، وكانت مفاتيح الأمن والخدمات وحركة الناس، ووجود الحكومة والرئاسة والمؤسسات الرسمية، تتحول إلى أوراق ضغط وابتزاز.

 

لهذا تحولت عاصمة البلاد المؤقتة إلى منطقة أزمة متكررة منذ سيطرة الإمارات على القرار السياسي والأمني والعسكري في المدينة، تقرر هي شكل “القيود المفروضة” و“التحكم بمن يدخل إليها ومن لا يُسمح له بالتواجد فيها”، والحد المسموح لتوفر الخدمات، ومقايضة الخوف بالاستقرار، والفوضى بالخدمات. وأُديرت المدن الواقعة تحت سطوة الإمارات بقبضة الإرهاب ومنطق الغلبة، لا بمنطق المواطنة والعدالة والدولة.

 

وهنا يصبح جوهر المسألة اليوم أن عدن تُدار بمنطق “توازن القوة” لا بمنطق “احتكار الدولة للقوة”. وطالما بقي السلاح خارج سلسلة قيادة واحدة، ستبقى المدينة قابلة للاختطاف السياسي كلما تغيرت المزاجات.

 

4

 

عندما تأتي مجموعات تعبئة “صوتها أعلى من انضباطها”، وتستند إلى مناطق نفوذ اجتماعية وعسكرية خارج عدن، فإنها تعمل كذراع ضغط لا كأداة حكم. ليست وظيفتها إدارة مدينة؛ وظيفتها تحسين شروط تفاوض، وإحراج خصم، وتوسيع كلفة أي ترتيب لا يناسبها.

 

والخطاب الشعبوي اليوم في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بات وقود تشغيل الفوضى والانفلات؛ يحرّض على الشرعية، يرفع كلفة التراجع، ويحوّل أي خطوة إجرائية إلى معركة كرامة.

 

النتيجة أن السياسة تُستبدل بالاستعراض، وأن “إصلاح الأوضاع” يتحول إلى شعار غير قابل للتنفيذ، لأن أدوات التنفيذ نفسها ليست بيد الحكومة التي لم تتشكل رغم الأهمية القصوى. وبقاء البلاد بلا تمثيل لمصالح الناس، وبلا إدارة تعمل على الأرض، يفتح المزيد من أبواب الفراغ التي يتسلل منها الشيطان.

 

5

 

في هذا المشهد، السعودية لا تؤدي دور “داعم” فقط؛ هي تميل—اضطرارًا—إلى سد فراغات تشغيلية وسياسية يفترض أن تقوم بها المؤسسات اليمنية، من الرئاسة إلى الحكومة إلى البرلمان والفرق التنفيذية على الميدان. لذلك تلجأ الرياض إلى محاولة التهدئة وتقديم الترضيات، وإعادة الترتيبات، ودفع تكاليف إعادة تشكيل الولاءات، ومحاولة ضبط إيقاع اللاعبين على الأرض. لكن المفارقة أن سد الفراغ يريح من صنع الفراغ، ويرفع كلفة فاتورة تطبيع الأوضاع بعيدًا عن القدرة المالية، ويفتح باب الابتزاز السياسي والارتزاق على مصراعيه. وقد يمنح وقتًا، لكنه لا يكسب المعركة، لأن هناك طرفًا مقامرًا يمتلك القدرة على التعطيل وإثارة الفوضى والتسلل من الفراغ الناجم عن غياب سلطة تنفيذية ورؤية موحدة داخل أعلى الهرم، وصولًا إلى أصغر جندي في الميدان.

 

وحين يبقى كبار المسؤولين خارج البلاد، تتحول الشرعية إلى عنوان يُدار عن بُعد، بينما تتولى القوى الميدانية “الحكم الفعلي” داخل المدينة. هذا ترتيب يضعف فكرة الدولة مرتين: مرة لأن الحكومة لا تحكم، ومرة لأن الآخرين يتعلمون أن بإمكانهم الاستغناء عنها.

 

6

 

قوة الإمارات ليست فقط في المال؛ بل في حقيقة أبسط: الدولة في عدن غير موجودة كبنية مؤسسية سياسية وعسكرية وأمنية وخدمية. حين لا تُستكمل الدولة، تصبح شبكات التمويل والولاء أقوى من أي قرار إداري.

 

ولذلك، حتى لو دفعت الرياض لتثبيت ترتيبات، يبقى لدى أبوظبي—عبر شبكاتها—قدرة على التعطيل، لا بالضرورة عبر مواجهة مباشرة، بل عبر أدوات أقل كلفة: حلفاء محليون، واقتصاد نفوذ، وتغذية أزمة الثقة داخل المعسكر نفسه.

 

7

 

حين تُفرَّغ البلاد من مؤسساتها السيادية الفاعلة—رئاسة تعمل من الداخل، وحكومة تقيم حيث تُسأل، وبرلمان حاضر، وجهاز تنفيذي يقرر وينفذ—فأنت لا “تستعيد الدولة”، بل تتركها تتبخر.

 

في الفراغ، تُدار البلاد بصندوق مكافآت صغيرة: منصب هنا، وبدل هناك، وشراء موقف، وتهدئة مؤقتة. لكنه صندوق لا يبني دولة، لأنه لا ينتج قواعد عامة، بل ينتج استثناءات. والاستثناءات هي المادة الخام للفوضى.

 

8

 

حين تتحول اليمن إلى أداة في صراع إرادات بين طرفين خارجيين—كلٌ يريد إثبات أنه قادر على كسر إزعاج الآخر—فإن اليمنيين لا يصبحون “شعب قضية”، بل “كلفة جانبية”.

 

وهنا تُصاب أحلام الناس بالضمور، لا لأنهم فقدوا القدرة على الحلم، بل لأن الدولة تُسحب من تحت أقدامهم تدريجيًا، ويُطلب منهم أن يعتادوا العيش في منطقة رمادية: ليست حربًا تُحسم، ولا دولة تُبنى. وبدون حكومة تعمل من الداخل، بقرار واحد، وسلاح واحد، تحت سلسلة قيادة واحدة، سيظل كل “حلّ على الورق” مجرد هدنة لغوية، بينما الحكم الفعلي يبقى على الأرض… حيث تُكتب السياسة بلغة القوة، لا بلغة التمني.


التعليقات