حين تتحول اللحوم إلى خطر يهدد حياة الناس
الثلاثاء, 03 فبراير, 2026 - 10:32 مساءً

في اليومين الماضيين ، عشت تجربتين متتاليتين ، مختلفتين في التفاصيل ، لكنهما متشابهتان في الجوهر ، وتدفعاننا لطرح أسئلة جادة حول الرقابة ، الأمان الغذائي ، وحقوق المستهلك ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بلحوم يُفترض أنها صالحة للاستهلاك وآمنة.
التجربة الأولى..
 
أمس ، اشتريت قليل من لحم الدجاج من محل تركي معروف ، سألني البائع ويبدوا أنه أفغاني الجنسية إن كنت أتحدث الفرنسية ، فأجبته بالنفي. سألته عن سبب السؤال فقال: هكذا فقط.
 
بعد أن وضع الدجاج في الكيس ، توجهت إلى المحاسب ، ففوجئت بفاتورة قيمتها 19.70 يورو. استغربت المبلغ وسألت المحاسب عن السبب ، فقال إنه لا يعلم وطلب مني الرجوع إلى الجزار.
 
رجعت وسألته: لماذا هذا السعر؟
فأجاب: هذه قيمة الدجاج.
دجاجة ونصف بهذا السعر؟
الأمر لم يكن منطقيا أبدا.
عندما أخرجت التلفون لأصور الفاتورة ، تغير المشهد فجأة. جاء المحاسب وقال:
حسابك 7.60
وكرر الاعتذار مرة ثانية وثالثة.
الفرق بين السعرين تجاوز 12 يورو.
ولو لم أعترض ، لمر الأمر ببساطة.
 
الرقم لم يكن اعتباطيا ، بل يعكس نية مقصودة للاستغلال ، تقوم على استهداف زبائن بعينهم ، لا سيما ممن لا يتقنون اللغة ، وسط شكاوى متزايدة من التلاعب في الأسعار.
 
التجربة الثانية: لحم فاسد في وضح النهار
 
في اليوم التالي ، دخلت محلا تركيا آخر معروفا ، يقع وسط المدينة ، داخل مركز السنتخ ، وهو مكان حيوي يشهد إقبالا كبيرا من الزبائن. اشتريتُ كيلو غراما من لحم الغنم وثلاث قطع من لحم الدجاج.
 
تم الحساب بشكل طبيعي ، ولم تكن هناك أي مشكلة في السعر.
 
لكن أثناء وضع الكيس في شنطة الظهر ، شممت رائحة نفاذة وغريبة جدا. في البداية ، اعتقدت أن المشكلة من الشنطة نفسها.(حقيبة ظهر)، تفقدتها وفتشتها جيدا ولم أجد شيئا.
فتحت كيس اللحم… وكانت الصدمة.
اللحم متعفن ، والرائحة لا تُطاق.
سألتُ البنت الموجودة على الكاشير ، فقالت بهدوء:
Monsieur, vous pouvez demander au boucher de changer la viande.
أي: يمكنك أن تطلب من الجزار تغيير اللحم.
 
عندما رجعت إلى الجزار وقلت له إن اللحم متعفن ، كانت ردة فعله الأولى ساخطة ومتشنجة ، وبدا عليه التوتر والانزعاج الواضح ، وكأن الملاحظة اتهام شخصي لا شكوى مشروعة. لم يتقبل الأمر في البداية ، وتعامل معه بعصبية واضحة.
 
طلبت منه بهدوء أن يتأكد بنفسه ، وأن يشم اللحم ليرى الحقيقة كما هي. وما إن فعل ذلك حتى تغيرت ملامحه بالكامل ؛ خفت صوته تماما ، وتبدلت نبرة حديثه كليا ، واختفى ذلك الانفعال المفاجئ.
 
بعدها..  انصرف بسرعة نحو أحد زملائه في الداخل ، وكان يتحدث بصوت مرتفع ، دون أن أتمكن من معرفة ما الذي كان يُقال. المشهد كله كان مربكا ويبعث على القلق.
 
رجعت إلى السيدة التي كانت تقف على ماكينة الحساب (الكاشير) ، فقالت لي: "نحن آسفون ، سأقوم بإبلاغ المدير بالأمر" . ثم بدأت تتحدث مع أحد زملائها ، في محاولة لاحتواء الموقف.
 
غادرت المتجر مباشرة وأنا في حالة غضب واستياء شديدين. كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يبيعوا مواد منتهية الصلاحية ، أو مخزنة بشكل سيئ ، أو تعرضت للتلف؟ وكيف تسمح لهم ضمائرهم بتسويق منتجات قد تتسبب في تسمم غذائي أو أضرار صحية خطيرة ، خاصة أن الزبائن يثقون بهذه المحلات ويقصدونها يوميا ؟
 
ويتداول أيضا ، وهي معلومة بحاجة إلى تأكيد أن بعض الدجاج التي تكون قريبة من انتهاء صلاحيتها ، أو التي خزنت في ظروف غير مناسبة ، يتم وضعها في مكائن الشواء الكبيرة بدل التخلص منها ، لتباع لاحقا على أنها دجاج مشوي. وإن صحّ ذلك ، فنحن أمام ممارسة خطيرة تتطلب تدخلا عاجلا  من الجهات المختصة.
 
نحن هنا نتحدث عن قلب المدينة ، عن مركز تسوق كبير ، نابض بالحياة ، يؤمه أو يقصده عدد هائل من الزبائن يوميا ، والغالبية منهم من العرب والمسلمين الذين يقصدون هذه المحلات بحثا عن اللحوم الحلال ، ويفترضون بحسن نية أن هذه اللحوم تحترم شروط النظافة والسلامة.
 
لكن الطامة الكبرى أن بعض هذه المحلات ، للأسف لم تعد تكترث بحياة الناس. المهم هو بيع المنتج فقط ، أما إن كان نظيفا أو فاسدا ، مطابقا للمواصفات أو لا ، فذلك لا يبدو أولوية عند البعض.
 
ويؤكد لي صديق مطلع على هذا القطاع أن مستوى النظافة والأمانة في عدد من هذه المحلات سواء كانت تركية أو عربية وغيرها ، متدن للغاية ، وأن الهاجس الأساسي هو تصريف البضاعة. لا أحد يسأل: هل هذا اللحم صالح؟ هل حُفظ بطريقة صحيحة؟ هل ما زال ضمن تاريخ الصلاحية؟
 
تحذّر منظمة الصحة العالمية (WHO) والهيئة الأوربية لسلامة الغذاء (EFSA) من أن استهلاك اللحوم الفاسدة أو المنتهية الصلاحية قد يؤدي إلى تسمم غذائي خطير ، وإلى الإصابة ببكتيريا ممرضة مثل السالمونيلا، الإشريكية القولونية، والليستيريا.
 
هذه البكتيريا قد تسبب مضاعفات صحية خطيرة جدا ، خاصة لدى الأطفال ، كبار السن ، النساء الحوامل ، وأصحاب المناعة الضعيفة ، وقد تصل في بعض الحالات إلى دخول المستشفى أو الوفاة.
 
ومن الناحية القانونية ، يحمل القانون الفرنسي أصحاب محلات بيع المواد الغذائية مسؤولية كاملة عن سلامة المنتجات المعروضة للبيع.
 
فوفق مدونة الصحة العامة وقانون حماية المستهلك ، يُمنع بيع أي مادة غذائية فاسدة أو تشكل خطرا على صحة المستهلك. كما تُفرض التزامات صارمة تتعلق بالنظافة ، التخزين ، سلسلة التبريد، والتتبع.
 
وأي إخلال بهذه القواعد قد يعرض المخالفين إلى غرامات مالية ، إغلاق المحل مؤقتا أو نهائيا ، أو متابعات قضائية في حال ثبوت تعريض صحة الناس للخطر.
 
النصوص القانونية واضحة ، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف الرقابة الميدانية أو عدم كفايتها.
 
تشير معطيات Santé publique France إلى تسجيل آلاف حالات التسمم الغذائي سنويا في فرنسا ، يُنقل بسببها عدد كبير من المصابين إلى المستشفيات.
 
وتظهر التقارير أن اللحوم ومشتقاتها تعد من أكثر الأسباب شيوعا ، خاصة عندما تكون محفوظة في ظروف غير صحية أو فاسدة.
 
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات ، بل جرس إنذار حقيقي.
الخلاصة.. الوعي مسؤولية جماعية
من خلال هذه التجربة ، أردتُ التأكيد على أن تفحص اللحم قبل الشراء وبعده ضرورة لا ترف.
 
الرائحة ، اللون ، الملمس ، وطريقة الحفظ ، كلها مؤشرات لا يجوز تجاهلها. كما أن الاعتراض ، وإرجاع المنتج ، وحتى التبليغ ، ليست تصرفات محرجة ، بل حقوق مشروعة.
 
هذه المادة ليست دعوة للتخويف ، بل دعوة للوعي والمسؤولية.
لأن الطعام ليس مجرد سلعة ،
 

التعليقات