في حياة الشعوب لحظات لا يمكن اختزالها في نتائجها المباشرة، ولا يجوز اختصارها في شعارات الخصوم أوفي صور منقوصة تُعاد لتخدم سرديات محددة، وثورة 11 فبراير واحدة من تلك اللحظات التي لا تُفهم إلا إذا عشنا تفاصيلها كما كانت، لا كما يُراد لها أن تُروى.
فثورة 11 فبراير بالنسبة لي كمواطن يمني واحد شبابها لم تكن مجرد حدث عابر أو موجة إقليمية وعربية انجرفنا خلفها، وانما كانت لحظة أصيلة من وعي جماعي، شهد فيها اليمنيون وخاصة الشباب أنهم لم يعودوا قادرين على قبول الجمود وأن التغيير أصبح ضرورة لحماية كرامتهم ومستقبل وطنهم.
فقد خرجت ثورة 11 فبراير من تربة مشبعة بأزمات محلية تراكمت عبر عقود من الزمن، بدءاً من هشاشة الاقتصاد إلى استشراء الفساد في مفاصل الدولة، ومن ضعف المؤسسات إلى غياب العدالة والمواطنة وضياع حلم الدولة المدنية القوية ذات السيادة التي كانت من اهم أهداف ثورة 26 سبتمبر.
كل هذه الظروف اضافةً للانسداد السياسي والاستئثار بالسلطة من قبل النظام جعلت من قيام الثورة حاجة تاريخية ملحة لإعادة بناء دولة مدنية حديثة وفق أسس سليمة ترسم العلاقة بين المواطن والسلطة، وتؤكد على أن العدالة والكرامة والمواطنة والمساواة ليستا مفاهيم ثانوية، بل ضرورة لحماية المستقبل ومنع الاستمرار في منطق الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية.
الحقيقة أن الأزمات قبل 2011 تراكمت في صمت طويل منذ عقود، حتى انفجرت بشكل أكثر وضوحاً على الأرض قبل الثورة بسنوات، تمثل ذلك في حروب صعدة الستة بين عامي 2004 و2009، ستة حروب متتالية أنهكت الجيش واستنزفت الخزينة وعمّقت الشروخ الاجتماعية والسياسية والعسكرية شمالاً بينما اسفر تراكمها في الجنوب إلى اندلاع موجة الحراك الشعبي في 2007 احتجاجاً على التهميش والاختلالات المتراكمة منذ حرب 1994 والذي تطورات مطالبة المحقة الى مطالبة بالتشطير والعودة لحدود ما قبل عام 1990، كل هذه الوقائع اضافةً لكيفية ادارة النظام الإقصائية للدولة ومؤسساتها، التي كانت تُدار جزئياً بالولاءات الشخصية، مع ميل واضح نحو التوريث السياسي، فيما كانت البطالة بين الشباب تتصاعد، والحدود بين السلطات الرسمية والمراكز الموازية غير واضحة شكلت الخلفية الواقعية التي خرج على ضوئها الشباب إلى الساحات في 11 فبراير، لا كساعين لإسقاط الدولة، بل كمن يسعى لإنقاذها من الاختطاف والتهميش والانهيار.
في تلك اللحظة التاريخية، لم تكن ثورة 11 فبراير مغامرة، قادها تهور شبابها، بل كانت استجابة طبيعية لانسداد الأفق، وغياب الحل السياسي للأزمة، ولهذا السبب التف حولها الجميع بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، فكانت الساحات مساحة نادرة اجتمع فيها اليمنيون خارج الاستقطابات التقليدية، ليشكّلوا وعيًا جديدًا مفاده أن المواطنة ليست منحة، وأن السلطة ليست قدراً أبدياً، وشكلت لوحة وطنية خالدة فقد كان المشهد في تعز وصنعاء وعدن والحديدة مشهداً يمنياً خالصاً، من جميع الجوانب، بتنوع سياسي وفكري واجتماعي نادر، لكنه موحّد حول فكرة الدولة المدنية والعدالة والكرامة.
ومع تصاعد الأحداث في مختلف المحافظات، أصبحت البلاد على حافة انفجار شامل، وسط تباين مواقف الجيش والأمن، وتزايد المخاطر على المؤسسات والدولة، ومن هنا جاءت المبادرة الخليجية، التي لم تكن انتصاراً كاملاً للثوار، بقدر ما كانت محاولة لتجنيب البلاد حرباً واسعة كان من الممكن أن تستنزف كل مقومات الدولة، فنجحت المبادرة نسبياً في تهدئة الوضع، لكنها لم تضع حداً للتحديات الهيكلية التي كانت وراء اندلاع الثورة، وتركت معالجة القضايا العميقة لمؤتمر الحوار الوطني الذي جاء كخطوة أكثر شمولاً، ليشكّل رغم ملاحظاته أوسع عملية نقاش سياسي في تاريخ اليمن الحديث، وخلاله وُضعت القضية الجنوبية وحروب صعدة وبناء الجيش وشكل الدولة الاتحادية على طاولة واحدة، بما يوفر إطاراً لمعالجة الانقسامات القديمة، وإن لم تُحل كلها.
هذه المرحلة الانتقالية أظهرت أن الطريق نحو الدولة المدنية المستقرة لن يكون سهلاً وأن أي إصلاح يتطلب أكثر من مجرد اتفاقات مؤقتة، بل يستلزم أيضاً ضرورة التعامل الجاد مع شبكة المصالح القديمة والخصوم المتربصين بالمرحلة الانتقالية.
غير أن ذلك تم تأجيله ولم يُحسم في تلك اللحظة ليبقو سؤال مصير الدولة العميقة عالقاً، وهو ما تم استغلاله من قبل بقايا النظام السابق التي لم تنخرط في المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار بروح الشراكة، بل بروح الترقب وكذلك كان حال شبكات المصالح التي تضررت من التغيير والقيادات العسكرية والأمنية التي شعرت أن نفوذها يتقلص إضافة إلى مراكز القوة التي لم تتقبل فكرة إعادة توزيع السلطة والثروة، وفي الوقت نفسه، كانت جماعة الحوثي، التي خاض النظام ضدها ست حروب، تعيد ترتيب صفوفها مستفيدة من أجواء الانتقال الهشة.
وهنا بدأت ملامح الثورة المضادة تتشكل ببطء والمفارقة التي قد تبدو صادمة لمن لم يعش التفاصيل أن الخصمين اللذين تقاتلا سنوات في صعدة التقيا لاحقاً عند نقطة تقاطع المصالح لإجهاض مشروع الدولة الوليدة الذي كان احد أهداف 11 فبراير ، فقد وجد علي صالح زعيم النظام السابق ومن تبقى من شبكته والقوات الموالية له في الحوثيين أداة لإفشال ما تم تحقيقة وللانتقام من فبراير واحلام شبابها ومن خصومه الذين كانوا حلفاء له بالأمس، بينما وجد الحوثيون في ذلك التحالف فرصة ذهبية للتمدد نحو صنعاء واستعادة أمجادهم البائدة، والحقيقة انه لم يكن الأمر تحالفاً أيديولوجياً، بل تحالفاً براغماتياً هدفه الأساسي هو اجهاض ثورة فبراير ومخرجات الحوار الوطني الشامل الذي كان لحظة أمل بارقة أسعدت جميع اليمنيين.
وفي وسط غفلة الجميع وانشغال الأطراف بمصالحها واقتسام السلطة، تمددت مليشيات الحوثي واستولت على المناطق تلو الأخرى وصولاً إلى العاصمة صنعاء، التي سقطت دون مقاومة حقيقية لأن الانقسام كان قد نخر بنية الجيش، ولأن الجزء الأكبر من القوة العسكرية ظل موالياً للرئيس السابق الذي اتخذ موضع المتفرج، بينما عمل بصمت لإعادة خلط الأوراق وتمكين حليفه الحوثي.
ومنذ تلك اللحظة، دخل اليمن مرحلة مختلفة تماماً هي مرحلة الانقلاب والحرب والتشظي الداخلي، وهنا بدأ الخطاب المضاد يختزل كل هذا المسار المعقد في جملة واحدة: “فبراير هي السبب”.
لكن القراءة العادلة تقول شيئاً مختلفاً فما حدث كان انقلاباً على فبراير، لا امتداداً لها لو اكتملت عملية إعادة هيكلة الجيش، وتفكيك مراكز القوة القديمة بجدية أكبر، ولو لم يلتقِ مشروع السُلالة الكهنوتية مع مشروع الثأر السياسي لكان المسار مختلفاً.
طبعاً هذا لا يعني أن الثورة بلا أخطاء فلم يكن الشباب يملكون خبرة إدارة دولة، ولم تكن القوى السياسية جميعها على مستوى التحدي، بل غلبها الجشع ومحاولات إقصاء بعضها البعض وربما ساد قدر من حسن النية في بيئة مليئة بالخصوم المتربصين، لكن الخطأ في التقدير لا يساوي الجريمة في الانقلاب، ومحاولة الإصلاح لا تُدان لأنها أُسقطت بالقوة.
أنا أكتب هذا لا بدافع التبرير، بل بدافع المسؤولية التاريخية. بصفتي وأحد الشباب الذين كانوا في ساحات فبراير ومعرفتي التامة أن تلك اللحظة لم تكن مؤامرة ولم تكن وهماً وانما كانت صرخة جيل أراد وطناً يحتضن جميع أبنائه، ودولة تكفل لهم الحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم، صحيح أن التجربة تعثرت وانحرف مسار المرحلة الانتقالية، لكن الفكرة التي خرج الناس من أجلها لم تمت: ولازال حلمنا قائم بدولة مؤسسات، لا دولة سلالة، شراكة وطنية لا احتكار، وجيش وطني، لا جيوش عائليه او موازية.
في نهاية المطاف، ثورة 11 فبراير ليست مجرد حدث عابر او صفحة في التاريخ يمكن اختزالها في شعارات أو سرديات مختزلة، بل هي تجربة وطنية صادقه ومعقدة تشكلت في لحظة وعي جماعي استثنائية حاولت إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة بين الحقوق والواجبات وبين العدالة والمواطنة. وما حدث بعد 11 فبراير لم يكن فشل الثورة بحد ذاته، بل نتيجة صراع القوى القديمة والثورة المضادة التي سعَت لتقويض مكتسبات ثورة فبراير المجيدة ووأد أحلامها، لكن رغ ذلك كله بقيت الفكرة الحقيقية نابضة في وعي الشعب مفادها، أن دولة المؤسسات والشراكة الوطنية ليست حلماً، بل ضرورة تاريخية لا يمكن الاستغناء عنها.
اليوم وبعد سنوات من الحرب والانقسام والتحديات تظل ثورة فبراير مرجعاً للوعي الجمعي وتذكيراً حي ومتجدد بأن التغيير الحقيقي لايتحقق بين ليلة وضحاها، وأن الطريق نحو دولة مستقرة وعادلة يحتاج إلى الصبر والمثابرة والإصرار على حماية المكاسب مهما كانت الظروف معقدة، واذا ما تمكنا من قراءة ثورة فبراير بموضوعية حسنها سنمتلك القدرة على التمييز بين الثورة والثورة المضادة، ونفرق بين الحلم ومن حاول إسقاطه، فقراءتها بموضوعية ستوضح لنا حقيقة أساسية لا يمكن إنكارها وهي ان من يسعى لبناء وطن يرتبط دوماً بالقيم والحقوق، وان ومن يسعى لتدميره يتستر دوماً بالمصالح الضيقة والانقسامات.
وفي النهاية سيحكم التاريخ حتماً بشأن فبراير بعدالة لا تعرف لحظة ضعف أو انحياز، وسيقيم من حمل راية بناء الدولة، ومن تحالف لإسقاطها، وسيظل الوعي الذي ولّدته فبراير، وصرخة الأجيال التي خرجت من أجل الحرية والكرامة، مرجعاً لكل من يريد أن يفهم كيف يمكن لشعب أن يحلم ويقاوم ويعيد كتابة مصيره.