اغتيال علي خامنئي لم يوسّع الحرب، بل غيّر موضوعها. منذ تلك اللحظة لم يعد النزاع يدور حول توازن ردع أو حدود برنامج، بل حول قدرة الدولة الإيرانية على إعادة إنتاج مركز قرارها بعد قطع رأسها السياسي. حين يُستهدف رأس النظام وتسقط معه طبقة كاملة من القيادات العليا، لا تُضرب القدرات العسكرية فحسب، بل يُختبر تماسك البنية التي تقوم عليها الدولة. هنا ينتقل الصراع من إدارة اشتباك إلى اختبار بقاء مؤسسي.
استهداف القدرات يضعف الخصم تدريجيًا. أما استهداف القيادة فيسعى إلى إدخاله في مرحلة انتقال قسري تحت ضغط النار، حيث يتداخل ترتيب الداخل مع مواجهة الخارج. السؤال يصبح حادًا: هل تستطيع الدولة إعادة تثبيت مركز ثقلها قبل أن يتحول الخلل إلى تفكك؟
قبل مقتله، كان خامنئي يكرر أن “إيران لن ترضخ”، وأن “أي اعتداء سيُقابل برد مؤلم”. في المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده “لن تسمح بتهديد وجودي لإسرائيل”، ووصف بنيامين نتنياهو المواجهة بأنها “معركة من أجل الوجود”. حين يتبنى طرفان خطابًا وجوديًا متقابلًا، تضيق مساحة التسوية، ويصبح التراجع مكلفًا داخليًا بقدر ما هو ضروري استراتيجيًا.
هكذا انهار المسار التفاوضي. لم تفشل القنوات، بل ارتفع سقف الرهانات فوق قدرة الدبلوماسية على احتوائه. كل طرف افترض أن الآخر سيتوقف قبل النقطة الحرجة. غير ان القرار الأمريكي الاسرائيلي باغتيال القيادة الإيرانية تجاوز تلك النقطة وذهب بالأمور بعيدا دون أن يستطيع احد التكهن بما ستنتهي اليه الأحداث.
النظام الإيراني ليس هرمًا بسيطًا يمكن إسقاطه بضربة واحدة. هو شبكة مراكز قوة مترابطة: الحرس الثوري، مجلس الخبراء، مجلس الأمن القومي الأعلى، ومجمعات اقتصادية–أمنية متداخلة. تشكيل قيادة انتقالية كان خطوة لاحتواء الفراغ ومنع الانقسام. لكن إعادة ترتيب مركز القرار تحت ضغط حرب مفتوحة تجعل كل رد خارجي جزءًا من معادلة داخلية حساسة.
الرد الإيراني لم يكن انفجارًا عاطفيًا، بل تطبيقًا لاستراتيجية تعظيم الكلفة. عسكريًا، توسعت الضربات المباشرة. إقليميًا، دخلت عواصم خليجية ضمن نطاق النار، ما نقل الحرب من مواجهة ثنائية إلى أزمة أمن إقليمي. اقتصاديًا، تعطلت أو أُغلقت الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. سياسيًا، سعت طهران إلى تثبيت صورة الاستمرارية رغم فقدان رأسها.
تعطيل هرمز ليس خطوة رمزية. حتى تعطيل جزئي يكفي لإعادة تسعير المخاطر عالميًا. أسعار الطاقة ترتفع، أقساط التأمين البحري تقفز، الأسواق تدخل في وضع تجنب المخاطر، والتضخم يعود إلى صدارة الأجندات السياسية في عواصم كبرى. الأثر يتجاوز الخليج إلى النظام المالي العالمي.
قصف مدن خليجية أضاف طبقة جديدة من التعقيد. الخليج ليس هامشًا جغرافيًا، بل عقدة في شبكة الطاقة والتمويل الدولي. إدخاله في المعادلة يفرض على دوله موازنة دقيقة: حماية منشآتها الحيوية دون التحول إلى طرف مباشر. استمرار التصعيد يهدد بيئة الاستقرار التي قامت عليها استراتيجياتها الاقتصادية.
لكن المعادلة لا تكتمل من دون النظر إلى الجبهة الأخرى. قدرة إسرائيل على الصمود أصبحت متغيرًا استراتيجيًا حاسمًا. استمرار سقوط الصواريخ الإيرانية—حتى مع فعالية منظومات الدفاع الجوي—يحوّل الجبهة الداخلية إلى ساحة اختبار زمنية. كل اختراق دفاعي لا يخلّف ضررًا ماديًا فحسب، بل يراكم كلفة نفسية وسياسية. في المدى القصير، تميل المجتمعات إلى الالتفاف حول قيادتها تحت وقع الصدمة. أما في المدى المتوسط، فإن استمرار الخسائر البشرية والدمار وتعطّل الاقتصاد يفتح نقاشًا داخليًا حول الثمن والجدوى.
إسرائيل تملك عناصر صمود قوية: بنية دفاع مدني متقدمة، اقتصاد قادر عادة على امتصاص الصدمات القصيرة، ونظام تعبئة سريع. لكن حدود الاحتمال تتحدد بالزمن. إذا تحولت الحرب إلى نمط يومي من الإنذارات والخسائر والشلل الجزئي، فإن التفوق العسكري لا يكفي وحده لضمان استمرار الإرادة السياسية. هنا يصبح الرهان الإيراني واضحًا: ليس كسر إسرائيل عسكريًا، بل دفعها إلى إنهاء الحرب سياسيًا قبل تحقيق أهدافها القصوى.
على المستوى الدولي، تتشابك الحسابات. الولايات المتحدة تريد منع تحول استراتيجي في ميزان القوى، لكنها تحسب كلفة انزلاق طويل. أوروبا تخشى صدمة طاقة جديدة. روسيا والصين قد تستفيدان من انشغال واشنطن، لكنهما لا ترغبان في انفلات يضر بأسواق الطاقة.
الخطر الأكبر يكمن في فخ التصعيد. كل طرف يرفع مستوى الإيذاء لفرض كلفة على الآخر، ومع كل مستوى جديد تضيق مساحة التراجع، لأن الانسحاب يُقرأ كضعف. هكذا يصبح التصعيد مسارًا ذاتي الدفع.
البعد القانوني يزيد الصورة هشاشة. استهداف قيادة دولة ذات سيادة وتعطيل ممر ملاحي دولي يعيدان طرح سؤال الشرعية. إذا صار منطق “التهديد الوجودي” مبررًا كافيًا لاستخدام القوة خارج تفويض دولي واضح، فإن القيود التي تنظّم النزاعات تتآكل تدريجيًا.
في المحصلة، تتداخل المكاسب التكتيكية مع الخسائر البنيوية. صناعات السلاح تحقق أرباحًا فورية. بعض منتجي الطاقة خارج منطقة الخطر يستفيدون من ارتفاع الأسعار. لكن الاقتصاد العالمي يتعرض لاضطراب عميق، الخليج يتحمل مخاطر مباشرة، إيران تدخل مرحلة إعادة تشكّل تحت النار، والنظام الدولي يفقد جزءًا من صلابته.
المسألة لم تعد من يضرب أكثر، بل من يتحمل أطول. اغتيال خامنئي حوّل الحرب إلى اختبار بقاء مؤسسي في طهران، واستراتيجية رفع الإيذاء حوّلتها إلى اختبار صمود زمني في تل أبيب، وإغلاق المضائق جعلها اختبار استقرار عالمي. إذا لم يُكسر فخ التصعيد سريعًا، فإن ما يُعاد تشكيله لن يكون نظامًا بعينه، بل قواعد التوازن نفسها. وحين تُعاد كتابة القواعد تحت النار، نادرًا ما يكون الناتج أكثر استقرارًا مما سبقه.