من يتأمل المسار الذي سلكته الأمم المتحدة في الملف اليمني منذ اللحظة الأولى للانقلاب الحوثي، يدرك أن "المنظمة الدولية" لم تكن يوماً ذلك الطرف المحايد الذي تقف تقاريره على مسافة واحدة من الجميع. فالمواقف، والإحاطات، والضغوط، والنتائج الكارثية على الأرض، كلها تشير إلى نمطٍ هيكلي ثابت، مهمته تخفيف الخناق عن ميلشيا الحوثي كلما ضاق بها الخيار العسكري، وتشديد الضغط على الحكومة الشرعية كلما حاولت استعادة زمام المبادرة.
إن هذا الانحياز لم يعد مجرد انطباع شعبي تولد من رحم المعاناة، بل تحول إلى "منهجية سياسية" عابرة للمبعوثين، تكررت فصولها بفظاظة في كل محطة مفصلية من عمر الحرب.
تعاقب على الملف اليمني أربعة مبعوثين، لكنهم اشتركوا جميعاً في "فوبيا" الإدانة الصريحة للحوثيين، فرغم اعترافاتهم المتكررة بأن الجماعة هي من يعرقل المسار السياسي، تظل لغة الإحاطات غائمة، بينما تتحول الضغوط الدولية إلى "هراوة" تُرفع حصراً في وجه الحكومة الشرعية. وكأن المطلوب دولياً هو تحويل "الشرعية" إلى بنك للتنازلات المجانية، يُصرف منه كلما تعثرت أوهام السلام الأممي.
لقد أصبح المنهج الأممي واضح المعالم، تحميل الشرعية مسؤولية استمرار الحرب، وتجاهل خروقات الحوثي، وتحويل كل مبادرة سياسية إلى "طوق نجاة" يمنح الجماعة مكاسب لم تحلم بها في ميدان القتال.
صنعاء والحديدة.. حين تتدخل "الإنسانية" لإنقاذ المليشيا
في عامي 2016 و2017، كانت طلائع القوات الشرعية على مشارف صنعاء، بعد تقدم استراتيجي في نهم وسيطرة على معسكر الفرضة وجبال يام، حتى بلغت قوات الشرعية على مشارف مديرية أرحب، حينها فقط، استيقظ "القلق الدولي" فجأة، وتدخلت الأمم المتحدة لوقف الزحف بحجة حماية المدنيين والمدينة التاريخية.
المفارقة المرة أن هذا القلق أصيب بالصمم والعمى تجاه تعز ومأرب والبيضاء؛ حيث كان الحصار والقصف الحوثي يفتك بالمدنيين يومياً دون أن يرفّ جفن للمجتمع الدولي. وكأن "قداسة الحياة" في عُرف الأمم المتحدة تتوقف عند حدود المناطق التي تسيطر عليها المليشيا.
وتكرر المشهد ذاته في الحديدة عام 2018. فبمجرد أن أصبحت الموانئ قاب قوسين أو أدنى من التحرير، فُرض "اتفاق ستوكهولم" الذي لم يكن سوى عملية "تجميد" للمعركة لإنقاذ الحوثيين من هزيمة محققة، ومنحهم فرصة ذهبية لإعادة ترتيب صفوفهم تحت غطاء بعثة "أونمها" التي لم تجرؤ حتى اليوم على إدانة استهدافها من قبل المليشيا نفسها.
2025.. الغضب الأممي من "السيادة الاقتصادية"
لعل الفصل الأحدث والأكثر وقاحة في هذا الانحياز تجلى مطلع عام 2025. حين اتخذ محافظ البنك المركزي في عدن، محمد المعبقي، قرارات اقتصادية سيادية لمعالجة الانقسام النقدي ووقف العبث الحوثي بالتحويلات.
هنا، لم تغضب الأمم المتحدة لنهب الحوثيين لرواتب الموظفين، بل غضبت لأن قرارات "المعبقي" هددت الشريان المالي الذي يغذي المليشيا تحت ستار "المساعدات الإنسانية". وبدلاً من دعم مؤسسات الدولة، مارس المبعوث هانس غروندبرغ ضغوطاً فجة لوأد هذا التحرك الاقتصادي، في مشهد يثبت أن الأولوية الأممية هي الحفاظ على استمرارية "سلطة الأمر الواقع" الحوثية، لا استعادة الدولة اليمنية.
معادلة الصفر.. تنازلات بلا مقابل
قدمت الشرعية قائمة طويلة من "حسن النوايا": تشغيل مطار صنعاء، فتح ميناء الحديدة، وقف قرارات البنك المركزي، وتسهيلات لا حصر لها. وفي المقابل، ما الذي جناه اليمنيون؟
* الطرق ما زالت مقطوعة.
* المرتبات ما زالت منهوبة.
* تعز ما زالت محاصرة.
* والحوثي ما زال يستخدم كل تنازل كمنصة لإطلاق تهديدات جديدة.
الخلاصة
وبالتمعن في دور الأمم المتحدة نلاحظ ان دورها يعتمد أسلوب "هندسة الفوضى لا صناعة السلام"
إن ما يجري ليس مجرد "فشل" في الأداء الأممي، بل هو جزء من رؤية دولية أوسع تهدف إلى هندسة المشهد اليمني بما يخدم توازنات إقليمية معينة، حتى لو كان الثمن هو إطالة أمد الحرب وتجريف هوية الدولة.
اليوم، لم يعد اليمنيون بحاجة إلى أدلة إضافية؛ فقد سقطت ورقة التوت عن "الحياد" المزعوم. فالأمم المتحدة، من بنعمر إلى غروندبرغ، لم تكن سوى "مايسترو" لإدارة الأزمة لا حلها، والطرف الوحيد الذي دفع، ولا يزال يدفع، فاتورة هذا الانحياز هو الشعب اليمني وشرعيته المنهكة بالضغوط.