إعمار أم احتلال.. تحقيق ميداني لـ"الموقع بوست" يكشف حقيقة برنامج الإعمار السعودي في المهرة (1-2)
- عامر الدميني الأحد, 23 أغسطس, 2020 - 03:00 مساءً
إعمار أم احتلال.. تحقيق ميداني لـ

[ تعتبر السعودية البرنامج ذراعا إنسانيا لها لكنه في الحقيقة أداة للاستحواذ والسيطرة ]

بمبرر إعادة الإعمار منحت المملكة العربية السعودية نفسها مشروعية البقاء والتواجد في محافظة المهرة (شرقي اليمن)، وأعلنت هناك عن حزمة مشاريع لتنفيذها بعد أن تلقت المباركة الكاملة من الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي زار المهرة بمعية السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر في أغسطس من العام 2018م.

 

أعلنت السعودية عبر برنامجها المخصص لإعادة الإعمار جملة من المشاريع، لكن ذلك كان فقط على مستوى الإعلام، أما على المستوى الميداني الفعلي، فالوضع مختلف تماما، فإضافة للعديد من مظاهر السلوك الذي تنتهجه السعودية في المهرة لتضخيم مشاريعها، هناك أيضا أغراضا أخرى لعملية الإعمار تمثل دثارا وستارا لأجندة مختلفة.

 

في هذا التحقيق الميداني سعى "الموقع بوست" لمعرفة حقيقة برنامج الإعمار السعودي في محافظة المهرة، وهل يمثل إعمارا فعليا، أم ماذا؟ وذلك من خلال النزول الميداني لعدة مناطق في مديريات المحافظة التسع، والاطلاع عن قرب على طبيعة تلك المشاريع، والاستماع لوجهات نظر المواطنين هناك والمختصين.

 

المهرة قبل الإعمار

 

ظلت محافظة المهرة بعيدة كل البعد عن مجريات الأحداث التي شهدها اليمن منذ انطلاق الثورة الشعبية في العام 2011م، والتي اطاحت بالرئيس السابق علي عبد الله صالح من الحكم، وجاءت بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وظل الوضع كما هو عليه هناك، يجمع بين المحافظة على مؤسسات الدولة القائمة، وانتظار التطورات القادمة من العاصمة صنعاء.

 

وعانت المهرة من غياب الاهتمام الحكومي منذ انتهاء عهد الحكم السلاطيني فيها، وضمها رسميا لجمهورية اليمن الديمقراطية في العام 1967م، وعملت الحكومات المتعاقبة للشطر الجنوبي سابقا على تعزيز سيطرتها على المحافظة، وحولت بعض مباني ومنشآت السلطنة السابقة كمقار حكومية.

 

انتهجت تلك الحكومات العديد من الممارسات التي أدت إلى تغيير جذري في حياة السكان، والنشاط الإقتصادي الذي كانت المهرة معروفة به، كالسفن التجارية التي كان المهريون يمتلكون أسطولا منها يصل إلى مئة سفينة تجوب البحر العربي والمحيط الهندي والخليج العربي، وقام النظام السياسي الذي حكم مدن الجنوب إبان فترة السبعينيات والثمانينيات مستندا للفكر الشيوعي الاشتراكي بتأميم تلك السفن، والقضاء على مظاهر النشاط الاقتصادي المتعدد الأوجه كصيد السمك، ومصادرة قوارب الصيد، وتأميم كل الأنشطة التجارية الأخرى، بما في ذلك العقارات والأراضي، مما أدى إلى هجرة الكثير من الأسر ومغادرتها المهرة إلى دول خارجية، كان أبرزها وأهمها دول الخليج العربي الست.

 

لكن أبرز ميزة لتلك الحكومات سواء بقصد أو من غير قصد تتمثل بمحافظتها على المهرة كمدينة خامة على المستوى الجغرافي والتاريخي، أما على مستوى البنى التحتية فلم يتحقق منها سوى القليل، كخط طريق إسفلتي تم تدشينه في الثمانينيات وسط مدينة الغيضة عاصمة محافظة المهرة.

 

امرأة وأطفالها يتسولون المارة في إحدى طرقات المهرة

 

عندما تحققت الوحدة اليمنية في الـ22 من مايو 1990م بدأت مسيرة جديدة في حياة المهرة كمحافظة، وجرى إعادة تقسيم مديرياتها من أربع مديريات إلى تسع عقب حرب صيف 1994م، ودشنت الحكومات المتعاقبة في دولة الوحدة العديد من المشاريع في البنى التحتية للمحافظة، كالمنشآت الحكومية، وربط مديريات المحافظة ببعضها بالطرف الإسفلتية، وبناء المدارس، ومجموعة من المستشفيات والمراكز الصحية، وشبكة المياه.

 

وكل تلك المشاريع التي عملت حكومات صنعاء على تدشينها في المهرة لم ترق إلى مستوى الاهتمام الكلي المطلوب لهذه المحافظة الغنية بثرواتها وموقعها الحيوي، وأهميتها الاقتصادية، والزائر لها في الوقت الراهن يدرك مدى جناية تلك الحكومات التي عملت في ظل نظام علي عبد الله صالح لأكثر من عقدين على هذه المحافظة التي تبدو اليوم عبارة عن مدينة صغيرة ببنية تحتية مهزوزة، وشبه منعدمة.

 

هذا الغياب لمشاريع البنية التحتية، وما تحتاجه المحافظة جعلها عرضة لإغراءات القوى الخارجية التي تسعى لتثبيت أقدامها في المهرة تحت ذرائع تنفيذ مشاريع جديدة، ودعم المحافظة في مختلف المجالات، وهي المسؤولية التي كان من المفترض أن تتحملها الحكومة اليمنية الراهنة.

 

ومع انطلاق العمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس من العام 2015م، ظلت المهرة بعيدة عن مسرح الحرب، وصراع الأطراف، ولم تتعرض لأي مظهر من مظاهر الحرب الجارية حتى اللحظة.

 

بعد أشهر من تلك الحرب بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة تعزيز حضورها في محافظة المهرة، من خلال تشكيل قوة أمنية تدين لها بالولاء، على غرار تلك التي أنشأتها لاحقا في محافظات عدن وحضرموت وشبوة وأبين، لكنها انصدمت بمقاومة المجتمع في المهرة لتوجهاتها وأجندتها، فانسحبت من المحافظة، وخلفتها المملكة العربية السعودية التي وصلت المهرة في نوفمبر من العام 2017م.

 

 

حقيقة برنامج الإعمار السعودي في المهرة .. إعمار أم إحتلال؟

Posted by ‎Almawqea Post الموقع بوست‎ on Saturday, August 22, 2020

 

كان وصول القوات السعودية إيذانا ببدء مرحلة جديدة في محافظة المهرة التي تعد بوابة اليمن الشرقية، وتجمع في تضاريسها العديد من الخصائص الجغرافية والسياحية، والمميزات التي تؤهلها لتصبح أهم محافظة يمنية، بما تتمتع به من مقومات.

 

وصلت طلائع القوات السعودية إلى المهرة، وقدمت تبريرات للسكان أنها تنوي تزويد المحافظة بالإغاثة، إسهاما منها في مساعدتهم، وتقديم العون لهم، واتخذت من مطار الغيضة بالمهرة مقرا لها بمبرر تسهيل وصول الإمدادات الإغاثية عبر الجو، بدلا من مشقة النقل والسفر عبر البر، وفقا لمسؤولين التقيناهم في المهرة.

 

ومع تمكنها من التجذر داخل محافظة المهرة بشكل أكبر، خصوصا مع إقالة المحافظ السابق محمد عبد الله كدة، وتعيين راجح باكريت الموالي لها محافظا جديدا، ابتدعت السعودية مبررا جديدا وأطلقت عليه "إعادة الإعمار" وهو المشروع الذي يرأسه سفير المملكة لدى اليمن محمد آل جابر، وبات يتولى مختلف عمليات الإغاثة في اليمن، ويمثل الذراع الإنسانية للتواجد السعودي.

 

كان لافتا تدشين هذا المشروع في محافظة المهرة التي لم تتأثر بالحرب الجارية، لكن السعودية بررت تدشين هذه المشاريع في المحافظات التي لم تصلها الحرب بأنها جزء من خطة إغاثية تبدأ بالمحافظات المحررة، وتنتهي بتلك التي تأثرت بالحرب، بعد تحريرها من جماعة الحوثي، وفق تصريح السفير السعودي لشبكة الأنباء الإنسانية "إيرين".

 

وبشكل تدريجي بدأ مشروع إعادة الإعمار في التوسع والعمل في محافظة المهرة، لكن كل مشروع نفذته السعودية في المحافظة، قابله تمدد عسكري على الأرض، من خلال النقاط الأمنية التي استحدثتها، أو المعسكرات التي تستحدثها من وقت لآخر، وبات البرنامج يمثل إشكالية حقيقية هناك، وهو ما سنكشفه في هذه المادة.

 

واقع المهرة

 

تعاني محافظة المهرة كما أسلفنا من بنية تحتية متدهورة، وساهمت الحرب الجارية في اليمن من توقف الأعمال لمشاريع البنية التحتية، خاصة في أبرز القطاعات كالصحة والتعليم والكهرباء والطرق، ومع ارتفاع تدفق النازحين إلى المهرة التي تعيش حالة سلم وأمان قياسا بباقي المدن اليمنية، أدى ذلك كله إلى زيادة الكثافة السكانية الأمر الذي انعكس على وضع الخدمات العامة، وولد الحاجة لعملية تحديث في مشاريع البنية التحتية.

 

إن جولة واحدة في مدينة الغيضة وباقي المديريات في المهرة تعطيك انطباعا كاملا عن مدى الإهمال الذي تعيشه هذه المحافظة رغم امتلاكها لكل مقومات الاقتصاد التي تجعل منها في حال أفضل، خاصة مع كونها تتمتع بمزايا سياحية وفرص اقتصادية، ويقع فيها منفذان يربطان اليمن بالعالم الخارجي، هما شحن وصرفيت، إضافة إلى ميناء نشطون الذي يعد واحدا من أهم الموانئ اليمنية.

 

تفتقر المحافظة للخدمات الأساسية، وتبدو أغلب المدارس والمراكز الصحية في حالة بائسة، ناهيك عن التدهور في الطرق الرئيسية، والتي تحتاج بصورة عاجلة لعملية صيانة، خاصة الأنفاق الثلاثة التي تربط مديريات المحافظة، وجرى تشييدها سابقا، وتضررت حاليا، وتحتاج لإعادة إصلاح الكهرباء فيها، وصيانة جوانبها ومداخلها.

 

من مخلفات السيول في ساحل مدينةالغيضة

 

تضاعفت المأساة أكثر مع إعصار لبان الذي ضرب المهرة في أكتوبر من العام 2018م، دمر الإعصار البنية التحتية المتبقية في المحافظة، كالجسور والطرقات والكهرباء، وجعلها أكثر تدهورا وخرابا.

 

هذا الواقع جعل السكان في المحافظة يشعرون بالحاجة الماسة للتنمية، حفاظا على محافظتهم من التدهور المستمر، وانطلاقا من هذه الحاجة جاءت السعودية لتدغدغ مشاعر الناس، وتملي عليهم الوعود في إعادة بناء وإعمار المحافظة.

 

البداية السعودية

 

قبل البدء في الحديث عن الدور السعودي في عملية إعمار المهرة نشير هنا إلى أن هذا البرنامج جاء كمحصلة لعملية استحواذ سعودية على الجهد الحكومي الذي كان قد بدأ في عملية إعمار اليمن، وانتهى الحال لإلغاء النشاط الحكومي الرسمي وتصدر هذا البرنامج مختلف الأنشطة التي تتعلق بإعمار اليمن، وامتد نشاطه ليشمل مختلف المدن الموصوفة بالمحررة.

 

منذ اليوم الأول لوصول القوات السعودية قدمت الوعود لإعمار المهرة التي لم تتعرض لأي أضرار بسبب الحرب التي تشنها السعودية في اليمن، وتحت هذه اليافطة عززت السعودية من بقائها، وتولى السفير السعودي محمد آل جابر مهمة الترويج لإعادة الإعمار عبر البرنامج الذي يرأسه، واستحوذ على مشاريع الإعمار التي كانت الحكومة اليمنية قد أعلنت العمل عليها، وهو ما تحدثنا عنه في مادة سابقة.

 

أصبحت المهرة مقصدا ووجهة دائمة للسفير السعودي الذي زارها أكثر من مرة، بصحبة وزيرالأشغال العامة معين عبد الملك الذي أصبح حاليا رئيسا للوزراء، وبات لبرنامج الإعمار فريقا سعوديا يعمل في المهرة، ويتخذ من مطار الغيضة مقرا له، ومع تعيين راجح باكريت محافظا للمهرة (أقيل لاحقا) توفرت الفرصة الكاملة للرياض للترويج لمشاريعها، وقدمت حزمة من تلك المشاريع التي ظل أغلبها حبرا على ورق، أو جرى تنفيذه هامشيا، وبات البرنامج واجهة لأجندة أخرى تنفذها الرياض.

 

اقرأ أيضا: مهمة الإعمار.. الغطاء السعودي للتوغل في اليمن.. كيف بدأت الفكرة؟ وكيف انتهت؟

 

أعلنت السعودية تنفيذ مشاريع في مختلف مديريات المهرة، وركزت تلك المشاريع على البنية التحتية أو المتعلقة بشرائح سكانية معينة كالمزارعين والصيادين، وبات التداخل واضحا بين مشاريع أعلن برنامج الإعمار عن تنفيذها، وأخرى مدرجة ضمن مشاريع السلطة المحلية وتمول منها، لكنها تحولت فجأة لتصبح مشاريع أنجزها برنامج الإعمار السعودي.

 

إعلان السعودية تنفيذ تلك المشاريع رافقه أجندة أخرى تمثلت بالتوسع العسكري الميداني لقواتها، من خلال إنشاء المعسكرات، والنقاط الأمنية، وشراء الولاءات، والاستحواذ على المقار الحكومية، وتحويلها لمنشآت عسكرية كمطار الغيضة، وميناء نشطون، ومنفذي صرفيت وشحن.

 

أما الحدث الأهم في هذا السياق فتمثل بزيارة الرئيس عبد ربه منصور هادي للمهرة برفقة السفير السعودي محمد آل جابر وإعلانه من الغيضة عن تنفيذ حزمة من المشاريع في محافظة المهرة في الأول من أغسطس 2018م.

 

 

كانت تلك الزيارة هي الحادث المفصلي، وتعتبر بمثابة إذن رسمي من الرئاسة والحكومة اليمنية يسمح للسعودية بممارسة أنشطتها في المهرة، وأعلن هادي خلالها عن تدشين عدة مشاريع، ووضع حجر الأساس لحزمة أخرى، من مدينة طبية تعليمية أطلق عليها الرئيس هادي "مدينة الملك سلمان التعليمية والطبية" وتضم جامعة في مختلف التخصصات العلمية، ومستشفى بسعة 300 سرير ستخدم كافة سكان المهرة وأبناء اليمن.

 

 

عقب تلك الزيارة بشهرين فقط ضرب إعصار لبان المهرة، وساهم في تعطيل البنية التحتية، ومثّل هذا الحدث فرصة أخرى للسعودية في تعزيز نفوذها وتواجدها في محافظة المهرة بمبرر مساعدة السكان وإعادة إعمار ما خلفه السيول والإعصار من كوارث.

 

طبيعة المشاريع السعودية في المهرة

 

من خلال العودة إلى ما أعلنه برنامج الإعمار السعودي عبر حسابه في تويتر الذي جرى تدشينه في نفس اليوم الذي زار فيه هادي المهرة، جرى رصد أكثر من 40 إعلانا لمشاريع مختلفة تقول الرياض إنها تنفذها في المهرة خلال العام 2018 حتى مطلع العام الجاري 2020م.

 

 

تظهر عملية الرصد أن مشاريع الإغاثة المزعومة كانت في المرتبة الأولى، وتتركز حول أنشطة قامت بها القوات السعودية في تقديم معونات كالمياه والبطانيات، أو فتح الطرقات، وإصلاح شبكة الكهرباء في بعض الأماكن، وفقا لما ينشره حساب البرنامج، وجميع تلك الأنشطة التي نفذها أيضا مركز الملك سلمان تعد هامشية قياسا بالتعاون المجتمعي للسكان في مواجهة تلك المشاكل.

 

ويحل التعليم في المرتبة الثانية وفقا لما أعلن عنه البرنامج، وتتمثل أبرز الأنشطة في هذا المحور بتقديم كراسٍ ومقاعد جديدة للمدارس، أو إعادة تأثيث بعضها، وكذلك تقديم الكتب المدرسية، وجميعها تروج للسعودية، وتوضع عليها شعار البرنامج، والعلم السعودي.

 

وهناك قطاعات أخرى يعمل عليها البرنامج مثل الزراعة والصحة والطرق والكهرباء والعمل في الموانئ وكذلك المياه، لكن اللافت في الأمر أن أغلب تلك المشاريع في هذه المجالات جرى وضع حجر الأساس لها دون أي تنفيذ بحيث تطول فترة التنفيذ لمدة أطول، ما يمنح السعودية هناك مبررات البقاء والتواجد.

 

روجت السعودية بشكل كبير لتلك المشاريع، والزائر للمهرة يشاهد العديد من اللافتات التابعة للبرنامج السعودي لإعادة الإعمار منتشرة في الغيضة وباقي المديريات، وفي الشوارع والطرقات، وجميعها تقدم السعودية كدولة جارة وشقيقة، وحريصة على الإعمار والبناء.

 

مضخة مياه خارج مدينة الغيضة بتمويل من محلي

 

حقيقة تلك المشاريع

 

منذ الإعلان عن وضع حجر الأساس لمدينة طبية وجامعة حكومية في المهرة في الأول من أكتوبر 2018م خلال زيارة الرئيس هادي بمعية السفير السعودي، لا تزال تلك المشاريع المعلن عنها حبرا على ورق، وفي وقت لاحق زار فريق سعودي المكان المخصص لإنشاء المدينة في فبراير من العام 2019م، قبل الانطلاق في عملية البناء، ومنذ ذلك اليوم توقف العمل في المشروع بشكل نهائي، وتشير مصادر محلية في حديثها لـ"الموقع بوست" إلى أن السعودية عزفت عن تنفيذ المشروع برمته.

 

 

هذا التوقف للمشروع يظهر حجم التسويق الكاذب الذي رافق لحظات إعلانه، باعتباره منجزا سعوديا خالصا يعكس اهتمام الرياض بالتنمية في اليمن، وحرصها على المهرة وسكانها، وهو دليل واضح على حجم الهالة الإعلامية التي سوقت للمشروع، وعلى مستوى الوعود الهلامية التي تقدمها السعودية، وينعكس بطبيعة الحال على باقي المشاريع التي تروج لها الرياض في المهرة.

 

تركز المشاريع السعودية على الاحتياج العام المرتبط بحياة السكان، لتخلق أصداء واسعة على المستوى الشعبي، لكن تلك المشاريع في الأساس عبارة عن مشاريع آنية الغرض منها التواجد والتوسع، واكتساب المبررات في البقاء، وتقوم على التضخيم الإعلامي، بينما واقع الحال يبدو مختلف جدا.

 

اقرأ أيضا: التسلسل الزمني لملف "الإعمار" في اليمن.. من مسؤولية الحكومة اليمنية إلى مهمة سعودية خالصة

 

فعلى سبيل المثال أعلنت السعودية أنها قدمت قوارب صيد للصيادين المتضررين من إعصار لبان، واتضح لاحقا أن قوارب الصيد كان مشروعا تابعا لوزارة الثروة السمكية بتمويل منها، ومن رجال أعمال لتعويض الصيادين المتضررين، وجرى لاحقا تجيير المشروع باسم برنامج الإعمار السعودي، ورغم ذلك فقد تم توزيع القارب الواحد لأكثر من صياد، وفقا لصيادين التقيناهم في ساحل مديرية سيحوت التي يمارس أهلها مهنة الصيد، الذين أكدوا أن توزيع القوارب بتلك الطريقة لم يخدمهم، وأنهم أضطروا لبيعها وتقاسم ثمنها بين بعضهم البعض، لتصبح ملكا لصياد واحد بدلا من اثنين أو ثلاثة.

 

 

مشاريع أخرى سبق للسلطة المحلية في المهرة الإعلان عن تنفيذها كجزء من المشاريع السنوية التي ستنفذها، وعند الانتهاء منها جرى الإعلان عنها باعتبارها من مشاريع برنامج الإعمار السعودي المنجزة في المهرة، ومن ذلك مشروع حديقة الغيضة الترفيهية التي نفذت على نفقة السلطة المحلية كما يظهر في خبر للمركز الإعلامي للمهرة، ثم ظهرت لاحقا باعتبارها أحد مشاريع برنامج الإعمار السعودي، كما تظهره لوحة جرى رفعها في مدخل الحديقة.

 

 

في ضوء إهتمام المحافظ باكريت بمشاريع تحسين المدن والمتنزهات : الوكيل العبودي يطلع على سير العمل في مشروع رصف شوارع...

Posted by ‎الشيخ راجح سعيد باكريت‎ on Thursday, April 5, 2018

 

في سياق البحث والتحري عثرنا على خطة للمشاريع التي تمولها السلطة المحلية في محافظة المهرة، وأظهرت الخطة وجود تداخل كبير بين المشاريع التي أقرت على نفقة السلطة المحلية، وبين تلك المشاريع التي أعلن برنامج الإعمار السعودي عن تبنيها.

 

كان ذلك في عهد المحافظ السابق راجح باكريت، والذي أصبح اليد اليمنى للرياض في ممارسة العبث تحت يافطة برنامج الإعمار السعودي، وتحول المحافظ إلى مروج لتلك الأنشطة السعودية، كما تظهره منشوراته في حسابه الشخصي على تويتر وفيسبوك، أو كما يظهر في تغطية المركز الإعلامي للمحافظ بصفحته على فيسبوك.

 

 

من ضمن المشاريع التي أعلنت السعودية تنفيذها في المهرة حفر آبار في منطقة تنهالن، وتعرف بآبار فوري، وهي آبار تقع خارج مدينة الغيضة وتزود السكان بمياه الشرب المنزلية، سافرنا إلى تلك المنطقة التي تبعد عدة كيلومترات عن الغيضة، وهناك التقينا بأحد الشخصيات الاجتماعية التي قدمت شرحا مفصلا عن طبيعة تلك الآبار، وتاريخ تشييدها وأهميتها.

 

نفذت تلك الآبار عن طريق متبرعين محليين، وآخرين من سلطنة عمان، ثم أكملت السلطات المحلية السابقة بناء تلك الآبار، لكنها تعرضت للضرر جراء إعصار لبان، مما استدعى التدخل العاجل لإصلاحها، وجاء برنامج الإعمار السعودي لاحقا، وأعلن عن البدء في إصلاح تلك الآبار التي جرف السيل الأنابيب منها، ومع ذلك لم يفلح البرنامج في إكمال المشروع.

 

 

يتحدث مسؤول محلي طلب التحفظ على هويته عن مشاريع تم تجييرها لصالح السعودية ضمن مشروع إعادة الإعمار السعودي، وهي مشاريع جرى اعتمادها وتنفيذها من قبل جهات أخرى مثل مشروع ركبيت واحد وركبيت اثنين في مديرية حصوين، والبالغة قيمة العقد فيه 120 ألف ريال عماني، ونفذته الهيئة العمانية للأعمال الخيرية بالتعاون مع السلطة المحلية بالمهرة، وأنجز المشروع قبل وصول السعوديين بثمانية أشهر، وافتتحه المحافظ راجح باعتباره مشروع تابع لبرنامج إعادة الإعمار السعودي، وهو عبارة عن خزانات ومد أنابيب بطول 11 كيلومترا، وجرى بث الافتتاح في قناتي العربية والحدث باعتباره منجزا سعوديا.

 

ومن تلك المشاريع ملعب المخدار في الغيضة الذي يقع على الطريق نحو المطار، يقول مسؤول محلي إن المشروع جرى إقراره على حساب السلطة المحلية ثم لاحقا جرى تحويله كمشروع تابع لبرنامج إعادة الإعمار.

 

ومثله مكتب التنمية الريفية الذي كان لديه ميزانية حكومية تقدر بـ17 مليون دولار، وتم إنفاقها كاملة على مشاريع لم ينجز منها سوى ساحة حراج للصيد في الساحل لا تكلف 200 ألف دولار، وفق أحد المسؤولين.

 

دلالات الإعمار في المهرة

 

عندما تتجول في الطرقات المؤدية إلى الغيضة عاصمة المهرة، أو الطرقات المؤدية إلى باقي المديريات، تلمس حجم الدمار الذي خلفه إعصار لبان، ونفس الحال عند التجول في شواطئ الغيضة بعد أكثر من ستة أشهر على ذلك الإعصار تلحظ الكم الهائل من الأخشاب والأحجار والقمامة التي جلبها الإعصار إلى الساحل، وشكل كتل مرتفعة وكبيرة من تلك المخلفات.

 

ظلت تلك الجسور وتلك المخلفات كما هي دون أن يتدخل برنامج الإعمار السعودي لإصلاح الجسور، أو إزالة المخلفات، واضطر السكان للتكاتف فيما بينهم، والتنسيق مع جهات محلية لعمل حلول لشبكة الطرق المتضررة التي لا تزال شاهدة على حجم الدمار، ومستوى التضليل الذي مارسته السعودية في ترويجها لمشاريع إعمار في المهرة.

 

تمضي السعودية في تنفيذ تلك المشاريع بعيدة عن المؤسسات الحكومية الرسمية، ورغم تواجد برامج تنموية محلية ودولية في المهرة، لكنها تعمل بحضور خافت، في حين استحوذ برنامج الإعمار على كل المشاريع، والمحصلة تبدو صفرية قياسا بما يتم الترويج له.

 

حديقة الغيضة شيدت على نفقة السلطة المحلية واستحوذ برنامج الإعمار عليها

 

أغلب تلك المشاريع التي يعلن البرنامج السعودي عن تنفيذها ورعايتها هي من صميم عمل الحكومة اليمنية، ويفترض أن تقوم بها تجاه السكان، إذ ليس من المعقول في محافظة إيرادية كالمهرة أن يقوم البرنامج بتوفير مقاعد الطلاب أو كتبهم المدرسية، أو ترميم مدارس وبناء أخرى، كما يرى سكان في المهرة.

 

بل إن بعض تلك المشاريع سبق لمنظمات دولية وجهات خارجية العمل عليها طوال السنوات الماضية، كسلطنة عمان التي تعمل في عدة مجالات إغاثية بالمهرة منذ وقت طويل، وقدمت دعما متواصلا لمشاريع الصحة والكهرباء والتعليم.

 

الأمر اللافت أن المشاريع التي أعلنت السعودية عن تحقيق تقدم فيها كمطار الغيضة هي مشاريع تخدم السعودية في المقام الأول، وتلبي احتياجات قواتها، وتسهل لها التحرك على الأرض أو السفر والعودة إلى المهرة، ورغم الترويج الكبير لافتتاح مطار الغيضة وتنفيذ مشاريع فيه، فقد ظل حكرا للقوات السعودية، ومغلقا أمام الرحلات المدنية، وموصدا في وجوه سكان المهرة، وتحول إلى مقر ومركز انطلاق لتلك القوات في المهرة والمحافظات اليمنية القريبة منها.

 

الأمر ذاته ينطبق على عملية التحديث والتشييد الذي يعلن عنه برنامج الإعمار السعودي في منافذ المهرة كشحن وصرفيت وفي ميناء نشطون، فهذه الأماكن تسهل للسعودية تحركها، ومن خلالها تتمكن من استيراد وتصدير ما تريد، وكذلك ممارسة الترصد للمناوئين لها، والتضييق على السكان، وفرض سياسة تتسق مع أجندتها بعيدا عن المصلحة العامة للسكان واليمنيين بشكل عام.

 

اقرأ أيضا: برنامج الإعمار السعودي..أداة لتحسين صورة السعودية في اليمن ووسيلة للإستحواذ

 

مشاريع البرنامج المقدمة أيضا وفقا لما توصلنا له من معلومات تحولت إلى مشاريع مساومة لشراء نفوذ مشايخ القبائل، ومعاقبة الرافضين للوجود السعودي، ومكافأة المناصرين للرياض، فالمناطق الرافضة لأجندة السعودية تعاقب بالحرمان من تلك المشاريع، وفي نفس الوقت يجري إغراء السكان في مناطق أخرى بتنفيذ مشاريع جديدة مقابل السماح للقوات السعودية بالتواجد والبقاء والتمركز.

 

ومن خلال العودة لجغرافيا المشاريع التي تقدمها السعودية في المهرة يتضح أنها تتركز في المناطق التي تتواجد فيها القوات السعودية، أو تلك التي تتطلع للوصول إليها، وهي مناطق الغيضة العاصمة ومديريات الساحل، والمديريات التي تقع فيها المنافذ البرية، وهي جزء من سياسة احتواء السكان، ومحاولة شراء مواقفهم بتلك المشاريع.

 

قارب صيد في مدينة سيحوت

 

وما هو ملحوظا بشكل واضح أن كل مشروع يجري الإعلان عنه من قبل البرنامج السعودي يتم في مقابله التوسع عسكريا، وبناء معسكر جديد أو نقطة أمنية تابعة للقوات السعودية، وبالتالي صار البرنامج قرينا للعمل العسكري المباشر، وانخرط جنود السعودية أكثر من مرة في تنفيذ بعض تلك المشاريع ميدانيا.

 

في خلاصة الأمر فإن البرنامج السعودي لإعادة الإعمار من خلال عمله داخل المهرة ليس سوى واجهة لتحسين صورة السعودية في المحافظة، وتقديمها بثوب مختلف، والترويج لها خارجيا باعتبارها رائدة في العمل الإنساني، بينما تبدو الحقائق على الأرض مختلفة بشكل كبير.

 

في الجزء الثاني من هذا التحقيق سنتناول أمثلة أخرى على حقيقة برنامج الإعمار السعودي في المهرة، وكيف ينظر أبناء المحافظة للبرنامج.



التعليقات