المياه والغذاء والأسمدة التي قد تضرب عدة دول
أحمد الزرقة يكتب: ماذا يعني إغلاق مضيق هرمز؟ وما التداعيات التي ستؤثر على العالم والخليج؟
- أحمد الزرقة الإثنين, 09 مارس, 2026 - 10:10 مساءً
أحمد الزرقة يكتب: ماذا يعني إغلاق مضيق هرمز؟ وما التداعيات التي ستؤثر على العالم والخليج؟

[ إغلاق مضيق هرمز يسبب تداعيات عديدة - الصورة بالذكاء الإصطناعي ]

يُقرأ إغلاق مضيق هرمز عادةً بوصفه أزمة نفطية. غير أن الممر الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي يحمل أيضاً ثقلاً آخر لا يظهر في نشرات الأسعار: غازٌ يُغذّي مصانع الأسمدة، وأسمدةٌ تُغذّي الحقول، وحقولٌ تُطعم مليارات البشر. حين تتعطل هذه السلسلة، تبدأ صدمة أبطأ وأعمق في التشكّل — صدمة تمتد من محطات تحلية المياه في دول الخليج إلى الأراضي الزراعية في آسيا وإفريقيا، قبل أن تطفو في النهاية على الموائد.

 

حين أُغلق مضيق هرمز، كان أول ما تحرّكت إليه الأسواق مؤشرَ برنت. قفز السعر، وانطلقت التحليلات تتحدث عن مئة دولار للبرميل، وعن طرق التفافية عبر رأس الرجاء الصالح. غير أن هذه القراءة — على أهميتها — لا تعكس المشهد كاملاً. فهرمز ليس ممراً للنفط وحده؛ إنه عقدة في منظومة أوسع تصل الطاقةَ بالمياه، والمياهَ بالأسمدة، والأسمدة بالغذاء.

 

تحت سطح أسعار الطاقة تتشكّل طبقة أخرى من الأزمة، أبطأ ظهوراً وأبعد أثراً. تأخذ وقتها في الانتقال من ميناء جبل علي إلى مستودع أسمدة في البرازيل، ومن ثَمَّ إلى حقل ذرة في الهند، قبل أن تُفضي في نهاية المطاف إلى ارتفاع في فاتورة الخبز على موائد مدن لا تعرف موضع هرمز على الخريطة.

 

المضيق الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي يمر عبره أيضاً نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية، وما يقارب نصف صادرات الكبريت — المادة الأولية لأسمدة الفوسفات.

 

في أضيق نقاطه، لا يتجاوز عرض المضيق 33 كيلومتراً، وتسلك الناقلات فيه قناتين ملاحيتين محددتين بعناية. في هذا الشريط الضيق يتقاطع جزء وافر من الاقتصاد العالمي:

 

وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مرّ عبر المضيق في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي للنفط، وما يزيد على ربع التجارة البحرية العالمية للنفط. وإلى جانب ذلك، يتدفق عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وثلث صادرات اليوريا، وقرابة نصف صادرات الكبريت. نقطة جغرافية واحدة تربط بين أسواق الطاقة وأسواق الغذاء في آنٍ واحد.

 

أولاً: المياه — الهشاشة الوجودية

 

وصف مايكل كريستوفر لو، مدير مركز الشرق الأوسط في جامعة يوتا، دول الخليج بـ"الممالك الملحية" — وهو توصيف يلامس جوهر معادلة قائمة منذ عقود: مدن حديثة كاملة تقوم على تحويل مياه البحر إلى مياه عذبة. لو يرى أن هذه الدول تُفهم عادةً باعتبارها دولاً نفطية، بينما تعكس حقيقتها منظومة مائية ضخمة تعمل بالطاقة الأحفورية. إنه إنجاز هندسي استثنائي، بالتأكيد، لكنه ينطوي في الوقت ذاته على نقطة ضعف استراتيجية عميقة.

 

الأرقام تُجسّد حجم هذه الهشاشة. ففي الكويت تأتي 90% من مياه الشرب من محطات التحلية، وفي عُمان 86%، وفي المملكة العربية السعودية 70%، وفي الإمارات 42%. وعلى امتداد الساحل الخليجي تنتشر أكثر من 400 محطة تحلية تُنتج مجتمعةً قرابة 40% من المياه المُحلّاة في العالم.

 

ما يجعل هذه الأرقام ذات ثقل استراتيجي هو أن محطات التحلية لا تعمل باستقلالية؛ فمعظمها مرتبط عضوياً بمحطات توليد الكهرباء ضمن مجمعات مشتركة. أي اضطراب في منظومة الطاقة ينتقل أثره سريعاً إلى إمدادات المياه، ومنها إلى الحياة اليومية في المدن والمستشفيات والمصافي والحقول الزراعية.

 

تقديرات اقتصادية عام 2008 حذّرت من أن محطة الجبيل وحدها توفّر أكثر من 90% من مياه الرياض، وأن العاصمة 'ستضطر إلى الإخلاء في غضون أسبوع' إذا تعرّضت المحطة أو بنيتها التحتية لضربة موجِعة.

 

الباحث نيل كيليام من معهد تشاتام هاوس يصف استهداف منشآت المياه بأنه "تصعيد كبير" يحوّل طبيعة الضغط من الاقتصادي إلى المباشر على الحياة. وهذا ما يميّز الهشاشة المائية عن غيرها: إذا انقطع النفط تتوقف المصافي وترتفع الأسعار. أما إذا انقطع الماء فإن المدن تتوقف.

 

ثانياً: الغذاء الخليجي — ثمانية أيام ثم ماذا؟

 

ترتبط الهشاشة المائية بأمن الغذاء ارتباطاً عضوياً؛ إذ تستورد دول الخليج ما بين 80% و90% من احتياجاتها الغذائية عبر البحر. ولمّا كانت كل الموانئ الرئيسية في المنطقة — من جبل علي إلى ميناء الدوحة — تقع داخل الخليج أو قريبة منه، فإن تعطّل الملاحة البحرية يحوّل هذه الدول فعلياً إلى اقتصادات تعتمد على طرق برية محدودة الطاقة.

 

ثمة تفاوت واضح في درجة التعرّض لهذا الخطر. فقد استثمرت الإمارات في صوامع فجيرة الاستراتيجية — خارج المضيق — بطاقة تبلغ 300 ألف طن من الحبوب، وتعلن السلطات الإماراتية توافر احتياطيات من السلع الأساسية تكفي لأربعة إلى ستة أشهر. في المقابل، تبقى السلع الطازجة في موضع مختلف تماماً؛ إذ تشير تقديرات قطاع اللوجستيات إلى أن مخزون الفواكه والخضروات الطازجة في دبي لا يتجاوز ثمانية إلى عشرة أيام في ظروف الاستيراد الطبيعية.

 

هذا التفاوت يرسم خريطة واضحة لهشاشة المنظومة الغذائية الخليجية: الحبوب مخزّنة بما يكفل الحد الأدنى من الأمن الغذائي، بينما تعتمد المائدة اليومية على سلسلة توريد سريعة الحركة ولا تتحمّل تأخيراً طويلاً. وحين تبدأ شركات الشحن العالمية الكبرى في تعليق رحلاتها — كما فعلت CMA CGM وMSC حين علّقت حجوزات الحاويات المبردة إلى عدد من موانئ الخليج — تتعطل الحلقة الأكثر حساسية في هذه السلسلة.

 

ثالثاً: الأسمدة — الصدمة التي تتأخر ثم تضرب

 

إذا كانت المياه والغذاء يمثّلان الوجه الآني للأزمة، فإن الأسمدة تمثّل وجهها المؤجَّل — الأبطأ ظهوراً والأعمق أثراً.

 

يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث تجارة اليوريا الدولية وفق بيانات Scotiabank وكيبلر، وما يقارب نصف صادرات الكبريت العالمية — وهو مادة أولية لا غنى عنها في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية. وقد حذّر سفين توره هولسيثر، الرئيس التنفيذي لشركة يارا النرويجية لصناعة الأسمدة، من أن التركيز المفرط على أسواق النفط والغاز "يُعتّم" التأثير الأعمق للأزمة على قطاع الأسمدة، مضيفاً في تصريح لـCNN أن مضيق هرمز "ضروري للأمن الغذائي العالمي" وأن "قرابة نصف الإنتاج الغذائي العالمي يعتمد على الأسمدة".

 

الحلقة النقلية تبدو واضحة: تعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية اعتماداً مباشراً على الغاز الطبيعي المادةَ الأولية. أي اضطراب في صادرات الغاز الخليجي ينتقل سريعاً إلى تكاليف إنتاج الأسمدة في أوروبا وآسيا. وهكذا يكون المضيق الواحد في آنٍ معاً مصدر صدمة طاقة ومصدر صدمة غذاء.

 

أزمة الأسمدة بعد حرب أوكرانيا قدّمت نموذجاً مصغّراً لهذا المسار: ارتفعت أسعار اليوريا من 270 دولاراً للطن في 2021 إلى 925 دولاراً في أبريل 2022، وقدّرت الأمم المتحدة أن ذلك دفع نحو 22 مليون شخص إضافي نحو انعدام الأمن الغذائي.

 

والفارق بين أزمة 2022 وما يجري الآن جوهري. ففي 2022 ارتفعت الأسعار لكن التجارة لم تنقطع؛ استطاع المشترون أن يلجأوا إلى بدائل وأن يُعيدوا رسم خرائط الاستيراد. أما اليوم، فحين يُغلَق المضيق تنشأ حاجزٌ مادي حقيقي — لا مجرد حاجز سعري — يقطع المسار الوحيد لملايين الأطنان من الأسمدة قبل موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي.

 

رابعاً: تضخم البروتين — السلسلة الخفية

 

الصدمة الغذائية لا تسير في خط مستقيم من الأسمدة إلى الخبز. فثمة حلقة وسطى تمر عبرها وتضاعف آثارها: الأعلاف الحيوانية.

 

نحو 60% من الحبوب العالمية تذهب إلى إنتاج الأعلاف لا إلى الاستهلاك البشري المباشر. حين ترتفع تكاليف الأسمدة، ترتفع تكاليف إنتاج الحبوب، وحين ترتفع تكاليف الحبوب ترتفع أسعار الأعلاف، ثم ترتفع أسعار اللحوم والدواجن والألبان. يسمّي الاقتصاديون هذه السلسلة "تضخم البروتين" — وهي مسار لا تراه الأسواق في بدايته لأن تأثيره يتراكم ببطء على مدى أشهر قبل أن يظهر في أسعار السوبرماركت.

 

بعد أزمة 2022 كانت أسعار اللحوم في عدة دول قد ارتفعت أكثر من 30% خلال عام واحد. وهذه المرة، مع تأثير مزدوج يجمع بين أسعار الطاقة المرتفعة وانقطاع الإمدادات بدلاً من ارتفاع أسعارها فحسب، يحذر المحللون من أن الصدمة قد تكون أشد وطأة.

 

خامساً: الاحتياطيات الاستراتيجية وحدود الاستجابة

 

حين تصاعدت حدة الأزمة، بدأت حكومات مجموعة السبع تتداول إمكانية الاستناد إلى الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لتهدئة الأسواق. يملك الاحتياطي الجماعي لوكالة الطاقة الدولية ما يتجاوز 1.5 مليار برميل من النفط — أداةٌ فعّالة لامتصاص صدمات الطاقة قصيرة الأجل.

 

لكن هذه الأداة تقف عند حدود واضحة. فأسواق الأسمدة والحبوب تفتقر إلى ما يوازيها من منظومة احتياطيات دولية. لا يوجد "بنك أسمدة" استراتيجي يمكن فتحه حين يرتفع سعر اليوريا 35% في أسبوع. ما يعني أن المزارع الذي يحتاج إلى أسمدة لموسم الزراعة الربيعي لا يجد أمامه ما يعوّضه عن انقطاع الإمدادات الخليجية.

 

سادساً: آسيا — بؤرة الصدمة القادمة

 

حين يتحدث المحللون عن التأثير الأعمق لاضطراب هرمز، تتقدم آسيا إلى مقدمة المشهد. فهي في الوقت ذاته أكبر مستورد للنفط والغاز والأسمدة المارة عبر المضيق.

 

الأرقام تكشف عمق التعرّض: تعتمد الهند على الخليج في نحو 60% من وارداتها النفطية، وتستورد البرازيل — أكبر مصدري فول الصويا في العالم — ما يزيد على 40% من يوريا من مصادر تعبر هرمز. كذلك تعتمد كل من باكستان وبنغلاديش على قطر والإمارات في ما يزيد على 70-99% من وارداتهما من الغاز الطبيعي المسال. في هذه الدول لا توجد سلسلة إمداد بديلة جاهزة.

 

الصين في موضع مختلف نسبياً. فرغم أن نحو 40% من وارداتها النفطية تمر عبر هرمز، فإن امتلاكها احتياطيات استراتيجية ضخمة وعلاقات موردين متنوعة يمنحها هامشاً من المرونة لا تملكه كثير من الدول الآسيوية الأخرى. لكن هذا الهامش محدود في نهاية المطاف؛ إذ يكفي لامتصاص الصدمة في مرحلتها الأولى، لا لتجاوزها إذا طال الإغلاق.

 

ارتفاع تكاليف الأسمدة في آسيا لا يبقى داخل حدودها؛ بل ينعكس على أسواق الحبوب العالمية حين يخفّض المزارعون استخدام الأسمدة أو يُقلّصون مساحات الزراعة. وهذا ما يجعل الأزمة الخليجية أزمةً غذائية عالمية وليست إقليمية.


التعليقات