المنصف المرزوقي

المنصف المرزوقي

رئيس تونس السابق

كل الكتابات
المعجزة الرواندية
الأحد, 05 أغسطس, 2018 - 10:11 صباحاً

أفريل 1994: داخل الزنزانة الانفرادية في سجن 9 أفريل كنت أتابع مصدوما على تلفزيون صغير بالأسود والأبيض أحداث رواندا التي قتل فيها في ظرف أسابيع ما لا يقلّ عن مليون شخص من أقلية التوتسي بتحريض مجرم على التطهير العرقي من حكومة مجنونة ووسائل إعلام أكثر إجراما.
 
تلك الفترة، شهدت العاصمة كيجالي فظاعات لا توصف، قتل فيها الجيران جيرانهم وأطفالهم بالعصي والسيوف على امتداد أطول وأفظع الأيام .
 
ثم اشتعلت الحرب الأهلية وهرب مليوني شخص من الأغلبية التي ارتكبت المجزرة إلى الكونغو لتملأ مخيمات اللاجئين.
 
كنا نظنّ يومها أنه لن يوجد بعد اليوم بلد اسمه رواندا.
 
أوت 2018: بعد 24 سنة أجد نفسي في المدينة التي شهدت ذروة في التوحش الآدمي أمام النصب التذكاري للمجزرة حيث دفن مئات الآلاف من المجهولين وداخل متحف يعرض الجماجم والعظام وعصى وسيوف القتل وأيضا صور الأطفال الذين ذهبوا ضحية أبشع وأغبى أنواع التعصب العنصري والقبلي داخل شعب في الأصل واحد.
 
كيجالي اليوم مدينة يتعايش فيها أطفال القتلة والمقتولين بعد أكبر عملية محاكمة وأعقد مصالحة وطنية في إطار عدالة انتقالية من أذكى ما جرّب لليوم في العالم من هذه الطريقة لتحرير الحاضر والمستقبل من كابوس الماضي.
 
أضف لهذا أن كيجالي تبهر زوارها بجمالها وهدوئها ونظافتها.
 
كيجالي دلالة على أفظع ما في الإنسان وأروع ما في الإنسان: قدرته الخارقة على الشرّ وقدرته الخارقة على التغلب على طبيعته الشريرة.
 
كيجالي أقوى شاهد على قدرة قوى الخير التغلب على قوى الشرّ، قوى الإعمار على قوى التخريب.
 
كيجالي درس في الشجاعة وتشجيع على الإمعان في الأمل حتى وإن ضاقت كل السبل.

التعليقات