ليلة 20 من ليالي رمضان
الثلاثاء, 12 مايو, 2020 - 11:25 مساءً

الانتصار
 
يسعى الفرد للانتصار في مختلف مراحل حياته في كل معاركه التي يخوضها في محيطه الاجتماعي، يسعى للمكانة، للصدارة، وأن يكون له حضور، هذا من حقه، ويأتي في إطار عملية بناء الذات، والتي تستمر معه حتى وفاته.
 
كثير من معارك الفرد خاصة بعد بلوغه - مراحل الوعي زائدة عن حاجته - هي معارك جانبية ليست ذات أهمية ولا من المهم الانتصار فيها، في هذه المرحلة يستطيع أن ينتصر دون حاجته لهزيمة غيره، الحياة تتسع للجميع كلما اتسع وعيهم وأدركوا حقيقة الحياة وطبيعة الصراع وحتمية التشارك والتعاون، وكذلك تقنين عملية الصراع عبر الآليات التي يتفقون عليها جميعاً.
 
إن أهم معارك الفرد ليست تلك التي يخوضها مع غيره بل تلك التي يخوضها مع نفسه، ينتشل نفسه من العجز والتيه ويتخلص من المخاوف والأوهام، ويحقق ذاته بقدرته على تحقيق احتياجته وانجاز مهامه.
 
أنت بكل قدراتك وإمكانياتك وما تحمله من فكر وعلم وخبرة تُعتبر مشروع ومؤسسة ونموذج يمشي على الأرض، توقف لحظة وتلفت حولك ستجد أنك صاحب قدره وطاقة ولديك ملكات ومواهب وخبرات وتجارب ومؤهلات وعلاقات، من خلالها تستطيع أن تقول ها أنا ذا، فإذا خطوت نحو تحقيق حلم تكون قد اجتزت مراحل كثيرة غيرك مازال لم يجتز ربعها ومازال "يضارب قدميه" ويفتعل الحرائق هنا وهناك.
 
الانتصار على الذات هو انتصار للقيم وتكريساً للأخلاق وانتصاراً للمجتمع الذي ينتظر منك أن تنتج معرفة، صناعة، فكرة، نموذج، تجربة ثرية مُلهمة للآخرين، وإلا - ويا خوفي من (وإلا) هذه - ستظل حاجة زائدة عن المجتمع، عالة، وجع، خطر، مرض، هم للمجتمع.
 
الطريق للانتصار على الذات يبدأ بمرحلة معرفة النفس والبيئة المحيطة والعالم والكون والخالق، وتتدرج بتعاملك مع نفسك ومع الآخرين ومع العالم ورب العالم، لتصل إلى تحقيق الاستقرار الذاتي، وتكون فردا صالحاً إيجابياً في المجتمع، المنظمة، الشعب، الأمة والدولة، تحتاج في هذا الطريق للصبر والحب والتسامح والنسيان وتجاوز "مطب" ماضيك، وماضي كل "الماضويين" الذين يريدونك نسخة من جدك التاسع عشر ونسخة من أفراد القرن الأول الذي يفضلونه هم، تجاوزك للماضويات تجعلك متحكم في حاضرك ومستقبلك.
 
قلة هم من انتصروا على النفس في هذه الحياة فهل أنت مستعد أن تكون منهم؟
 
"إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ".
 

التعليقات