علي أحمد العمراني

علي أحمد العمراني

برلماني يمني، وزير الإعلام السابق، والسفير السابق لليمن لدى الأردن.

كل الكتابات
قوات درع الوطن… الهوى والهوية… يمنية أم غير ذلك؟!
السبت, 28 مارس, 2026 - 09:38 مساءً

بعد أحد عشر عامًا على تدخل التحالف في اليمن، لا يمكن وصفه إلا بالفشل الذريع، قياسًا على أهدافه المعلنة وما كان يعوّل عليه ويأمله اليمنيون. والحقيقة أن التحالف قد ذهب باليمن بعيدًا عمّا كان متوقعًا وواجبًا.
 
ويُلاحظ الآن اعتماد السعوديين على سلفيين في الوحدات العسكرية، مثل “درع الوطن” وتعيين بعض المحافظين السلفيين. وقد يكون من أولئك عقلاء ورجال دولة محترمون، لكن التجربة مع آخرين منهم مخيبة.
 
ويلفت النظر تبنّي السعوديين نهجًا تقدميًا، إن جاز التعبير، في بلادهم، لكنهم في اليمن يميلون، خاصة في الجانب العسكري، نحو السلفية التي صاروا يجانبونها في بلادهم.
ونعلم أن السلفية طيف واسع؛ منهم المعتدلون ومنهم دون ذلك.
 
وقد يحسن السؤال: أي سلفيين، وأي سلفية، التي يتبناها السعوديون في اليمن؟
وقد يقابله السؤال: أي زيدية تبنّتها إيران في اليمن؟
وسبق الإماراتيون السعوديين في تبنّي سلفيين في اليمن.
 
ونتذكر السلفي هاني بن بريك، الذي كان يعلن أنه مع وحدة بلاده اليمن، وقال إنه مع الوحدة حتى مع الصين، لكنه تحوّل إلى مفتي جهادي جهوي متعصب، تدور حوله أخطر التهم، ومرتهن للتمويل الخارجي.
 
وهناك عضو مجلس القيادة الرئاسي المحرمي، الذي يبدو وقورًا وهادئًا، وكان موثوقًا من يمنيين كثيرين، لكنه، وهو يتجه لتحرير بيحان في يناير 2022، غيّر اسم القوات التي يقودها بإضافة وصف جهوي انفصالي (قوات العمالقة الجنوبية)، وتوقفت تلك القوات عند الحدود الشطرية السابقة، تحقيقًا لأجندة التشطير التي تتبناها الإمارات ولا تعارضها السعودية. ويكاد المحرمي أن يتحول إلى قائد انفصالي، بل إنه قد تحوّل منذ أن انضوى في قيادة المجلس الانتقالي، وتابع لأجندة الإمارات، من خلال تصريحاته المعلنة ومواقفه الأخيرة في الرياض.
وسمع الناس القائد العسكري السلفي بشير المضربي، وهو يطمئن الانفصاليين المناطقيين في حضرموت بقوله: سنضع مكان اليافعي يافعي، والضالعي ضالعي. فأين هو درع الوطن من الوطن؟ ومن اليمن؟ ومن الإسلام ذاته، في خطاب كهذا؟
 
ويقال إن درع الوطن يتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية!
 
وسبق الإشارة إلى ذلك السلفي الذي يفتي بقتل الجنود الشماليين أينما وُجدوا في “الجنوب” وقد يفتي، هو أو غيره، لاحقًا، بقتل الشماليين بالجملة أينما وُجدوا.
 
استندت الدولة السعودية الأولى والثانية إلى الدعوة السلفية عند قيامها، واستمر ذلك التحالف عندما أقام الملك عبدالعزيز الدولة السعودية الثالثة قبل أكثر من قرن، لكن عبدالعزيز واجه فئات منهم إلى حد الاقتتال المرير، مثلما حدث مع “إخوان من أطاع الله” وزعمائهم البارزين فيصل الدويش وسلطان بن بجاد.
 
وكان مقتل الملك فيصل على خلفية إدخال التلفزيون في المملكة، ورفْضِ بعض السلفيين لذلك، ومنهم ابن أخيه خالد بن مساعد بن عبدالعزيز، الذي قُتل في مبنى التلفزيون عام 1965. وعاصرنا جماعة جهيمان التي احتلت الحرم المكي، وجاءت بـ”المهدي” الذي قُتل في الحرم مع عشرات آخرين.
 
وفي الحقيقة، فإن أشكالًا من الغلو والتطرف لا تقتصر على دين معين ولا تيار محدد؛ فمن المغالين شيعة وسنة مسلمين، ومسيحيين ويهود وهندوس، وغير ذلك.
ويحسن أن يتولى شؤون الدول والأمم أصحاب البصائر الثاقبة، الملمّون بتعقيدات الحياة وتشعباتها وفلسفاتها وتجاربها، خلاف ما قد تبسّطه الأيديولوجيات والنصوص لأصحابها، ويشمل ذلك أيديولوجيات وعقائد المؤمنين والملحدين.
 
وفي اليمن، نعرف أشخاصًا وأحزابًا سلفية مثل النهضة والرشاد، وهم أقرب إلى الواقعية والعقلانية، وقد يحتاجون إلى مزيد من المراجعات، مثلهم مثل الإخوان المسلمين. وفي المقابل، هناك متشددون، وبإمكانهم أن يبقوا كما يحبون على المستوى الشخصي، لكن من الصعب تصور أن يكونوا قادة يتولون شؤون الدولة، عسكرية أو مدنية.
 
ويمكن الاستشهاد بنماذج مثل طالبان، وحوثة اليمن، والملالي في إيران؛ ولا تصعب الإشارة إلى فشل كل أولئك في الإدارة والحكم، وما جلبوه لبلدانهم من ويلات وخراب ومآسٍ وبؤس. ويمكن التذكير بتبعات ونتائج دعم “المجاهدين” في أفغانستان، الذين تبناهم الغرب وبعض دول العرب، وجاءت منهم القاعـ ـدة بعنفها وكوارثها.
 
ونعلم بأنه لا علاقة للإسلام بالمواقف الانفصالية لكثير من أولئك في اليمن، فالإسلام دين الوحدة، كما نفهم. وقد تُعلّل تلك المواقف الانفصالية بالارتهان الخارجي.
 
ويبدو أن عدم رفع أعلام اليمن في الوحدات العسكرية، مثل “درع الوطن”، يعبّر عن رغبات خارجية تهدف إلى طمس اليمن دولةً وتاريخًا وهويةً. وندرك صعوبة ذلك، لكن الجهود جارية ومستمرة، وتبدو وكأنها تجري في فراغ، دون أن يتصدى لها أحد.
 
ولا نود أن نذهب بعيدًا في الشجون، لكن الأشقاء السعوديين حريصون كثيرًا على ترسيخ هويتهم الوطنية، حتى إن القهوة التي كانت تُسمّى قهوة عربية، يحرصون على تسميتها “القهوة السعودية” ولا بأس في ذلك. بل إننا من أكثر المهتمين بحماية هذا الكيان العربي المحترم الكبير في هذا الزمن: السعودية.
 
ولكن من الطبيعي أن تساورنا الشكوك والحنق والغضب عندما نشاهد ونلمس ما يفتّ في هوية اليمن ووحدته وكيانه الوطني، وتفخيخ مستقبله، على مرأى ومسمع من الأشقاء، وأحيانًا بدعم ورعاية منهم.
 

التعليقات