كانت مدينة صنعاء تروي لزائرها حكايتها دون أن يطلب منها ذلك، حكاية يرويها الشعر الحميني والبيوت الطينية والقمريات وآلة العود والفن الصنعاني والعيون الجميلة لفتيات المدينة، كما تحكيها القصائد التي تتغنى بجمال البنات وعبق المطر وشذى الأزهار. صنعاء مدينة احتضنها التاريخ ودللتها الجغرافيا وتحرسها الجبال وتنشد لها السحاب.. مدينة واجهت العواصف والتحديات على مر الأزمان، ورفضت الاندثار تحت جحافل الغزاة وطردتهم مقهورين. كان ابن القرية يذهب إلى صنعاء وهو فقير وأغبر وملابسه قديمة ولا يملك في جيبه غير تكلفة المواصلات والمبيت في لوكندة شعبية، فيخرج منها طبيبا أو مهندسا أو صحفيا أو مدرسا أو مقاولا أو رجل أعمال، واليوم يذهب إليها فيزجون به في السجون السرية ويخضعونه للتعذيب والتحقيق وربما أحكام الإعدام، أو يجبرونه على الذهاب إلى الجبهات، وفي أحسن الأحوال يبقى هناك تحت المراقبة، لا يستأجر شقة إلا بضمانة تجارية، ويتم رفع بياناته إلى الأجهزة الأمنية للمليشيا، ويطلبون منه إرسالية من جهة عمله، ويظلون يجددون رصد بياناته بشكل دوري. عندما كنت في صنعاء، قبل الحرب، كنت أخرج من سكني بجوار وزارة المالية في الصافية، أمر في طريقي على مقر الحزب الاشتراكي اليمني، ومقر تنظيمي لحزب التجمع اليمني للإصلاح، وبالقرب منهما منزل الشيخ المؤتمري مجاهد أبو شوارب، ومقر مؤسسة العفيف الثقافية، ومسجد البرلماني الإصلاحي الداعية هزاع المسوري، والمعهد الأمريكي للغات، ثم مركز الكميم التجاري الذي يقع خلفه منزل الرئيس علي عبد الله صالح، وأتجه يمينا لأمر على المكتبات وأكشاك بيع المجلات والصحف، فأجد أمامي عددا كبيرا من الصحف الحكومية والحزبية والأهلية، ومثلها صحف ومجلات أجنبية، وبالقرب من المكان مطعم الشيباني الشهير وسوق حجر للقات الفاخر. وفي الشارع نفسه يمر متسوقون ومشاة يمنيون مدنيون وقبائل، وآخرون من جنسيات أجنبية (هنود، صينيون، مصريون، عراقيون، سياح غربيون، لاجئون أفارقة، وغيرهم)، وأحيانا نرى فتيات وشبابا من الطبقة المخملية في صنعاء، بنات كاشفات الوجوه يستعرضن جمالهن أو يتسوقن في مركز الكميم التجاري، وشباب من أبناء الأثرياء يستعرضون سيارات فارهة على أنغام أغانٍ عربية وأجنبية. هذه المشاهد كانت مألوفة وأنا في طريقي من مكان سكني إلى مكان العمل، وكنت قد اعتدت على الذهاب يوميا إلى مكتبات وأكشاك شارع حدة، أتابع جديد الإصدارات، وأحيانا أجد نسخي محجوزة من سلسلة كتب "عالم المعرفة" الكويتية، ومجلة العربي الكويتية أيضا، ومجلة وجهات نظر المصرية، ومجلة نيوزويك الأمريكية التي كانت أشهر مجلة سياسية على مستوى العالم وتترجم إلى لغات عدة ولها تأثير واسع النطاق، وملاحق ثقافية لعدد من الصحف المحلية والعربية. وفي مقاهي منطقة حدة ومكتباتها واستراحاتها كان يلتقي الصحفيون والمثقفون والشعراء والأدباء، فضلا عن اللقاءات التي كانت تجمعهم في مقار الصحف والأحزاب والمؤسسات الثقافية وفلل بعض المسؤولين والسياسيين، وكان قادة الأحزاب يلتقون بالأحضان والابتسامات ويهاجمون بعضهم عبر الصحف، ونجد أحيانا أن مقار بعض الأحزاب متجاورة، وصحف جميع الأحزاب تباع بجانب بعضها في الأكشاك، ويذهب قادة إصلاحيون للمقيل مع علي صالح في دار الرئاسة، ويذهب قادة مؤتمريون للمقيل في منزل الشيخ الأحمر في الحصبة. كنا في مجالس القات نخوض الجدال في السياسة، ونعرج على الأدب والفن، ثم نتحدث عن جمال بنات صنعاء وبنات الأرياف، وعن تناولات الصحف والقنوات الفضائية وأسعار القات، ونتداول النكات السياسية وبعض أسرار السياسيين المسربة التي لا ننشرها في الصحف. اليوم تغيرت صنعاء، لا مكتبات ولا قصائد ولا أحزاب ولا صحف ولا فنون ولا ثقافة ولا شعر حميني ولا وظائف ولا رواتب ولا فرص عمل، وحل مكان كل ذلك: السجون السرية، والمقار الأمنية والمخابراتية، والجواسيس، وزوامل الموت، وشعارات الحرب، ولافتات الصرخة، وصور عبد الملك الحوثي، ونقاط التفتيش، ولجان نهب التجار، ومقايل المشرفين وتجمعاتهم، ومقار الدورات الطائفية، ومخازن الأسلحة، ومحال بيع الأكفان، والمقابر. كانت صنعاء مدينة لا تنام، تعج بالفن والحياة والثقافة وتجمعات الأصدقاء، تتنفس جدرانها تراثا يعود لأكثر من ألف عام، وتختزل إرثا ثقافيا تتفوق به على معظم الحواضر العربية، وكانت أقدمها على الإطلاق، وظلت مأهولة بالسكان لنحو 2500 عام. تعزف صنعاء للعالم تاريخها على لحن العود أو "القنبوس"، وهو أقدم آلة موسيقية ظهرت في اليمن والجزيرة العربية، مما دفع منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، في 7 يناير 2003م، إلى إعلان الغناء الصنعاني "تراثيا إنسانيا" شفويا غير مادي، ليكون بذلك أحد أقدم الألوان الغنائية في الجزيرة العربية، إذ تمتد جذوره لنحو 500 عام. أما الشعر الحميني، فقد بدأ يتبلور في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو مزيج جميل وساحر من العربية الفصحى واللهجة الصنعانية، وينتسب إلى قرية الحمينية في حيس بتهامة، ويقول بعض الباحثين إن أول من أسس لغته الشعرية الشاعر محمد بن شرف الدين في عهد الدولة الرسولية التي اشتهرت بالاهتمام بالثقافة والأدب والفن والشعر وتأليف الكتب، وشهدت اليمن في عهدها نهضة حضارية مرموقة. تميز الشعر الحميني بقدرته المذهلة على وصف أدق تفاصيل الحياة في صنعاء، خصوصا جمال الطبيعة وقصص الحب العذري، ومن أبرز أغراضه التغزل بجمال البنات، إذ تحفل قصائده بالصور التشبيهية البديعة التي تشبه المحبوبة بالغزال الرشيق والقمر المنير، لتجعل من جمال المرأة اليمنية قصة ترويها القصائد والأغاني للأجيال القادمة. كما أن الأغاني الصنعانية غير الحمينية تركز أيضا على وصف جمال المرأة وتشبيهها بالقمر، ومن نماذج ذلك أغنية "رد السلام" للفنان محمد حمود الحارثي، التي يقول فيها: يا خو القمر مابش قمر ملثم.. يا خو القمر.. مابش قمر مثلك كحيل رأيت تبسم.. على درر.. ولا قمر مثلك كحيل أحوم.. وفيه حور.. لكن لماذا لك لثام حاجب.. هذا حرام.. ويمثل الفنان محمد الحارثي الأيقونة الكبرى للغناء بالشعر الحميني، ورغم أنه ولد في كوكبان عام 1935م لعائلة من العلماء، وتعلم الدين والشعر كما يليق، فإن شغفه الحقيقي كان بالغناء، وكان يغني سرا في الكهوف والجبال خوفا من العائلة التي كانت تعتبر الموسيقى والغناء حراما. وخلال الحرب بين الجمهوريين والإماميين بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، وقف الحارثي إلى جانب الجمهوريين، وغنى في الخنادق عددا من الأناشيد الثورية لرفع معنويات الجنود قبل أن يسجل تلك الأغاني لإذاعة صنعاء، مجازفا بحياته من أجل فنه ووطنه، وكان رمزا للصمود والإبداع، وعرّف العالم بأسره على روائع الأغنية الصنعانية. ومن الأناشيد الثورية للحارثي: "سحقنا الطغاة"، "الجمهورية فيها الحرية"، و"يا سبتمبر يا مرج التاريخ الأخضر". ومن أشهر أغانيه الأخرى: "رد السلام"، "يا فرحتي للرعية"، "ما أجمل الصبح في ريف اليمن حين يطلع"، "الشوق أعياني"، "عليك سموني وسمسموني"، و"خلي جفاني بلا سبب". لا شك أن لكل واحد منا ذكريات مع صنعاء، ومن لم يزرها لا شك أنه استمع لحكايات عنها من أقارب له زاروها، فصنعاء دواء للروح، ونزهة للقلب الحزين.. مدينة تحتضن التاريخ والفن والشعر والجمال والسياسة والثقافة في لوحة فنية بديعة.. فمتى ستعود صنعاء إلى حاضنتها العربية وإلى أبنائها اليمنيين بعد أن دنسها الفرس وأذنابهم من السلالة الوافدة المنبعثة من مزبلة التاريخ وكهوف الظلام؟ ونختم بهذه الأغنية من أغاني الزمن الجميل للفنان محمد عبده: أحب صنعاء ولي في العشق صنعاء.. وأحب أحوم خلي من سفح صنعاء.. ألا يا ليت لي في الأمر صنعاء.. وأسلا من سلا عودي وبراني.. أنا أوله كلما نسنس يماني.. سلب لبي وأنا جازع وماشي.. وأخذ ما فيه ما خلا ولا شي.. سألني بالومى قال لي تبا شي.. فقلت الله يسامح من بلاني.. أنا أوله كلما نسنس يماني.. عسى من لامني في العشق يبلى.. يذوق من الجوى يفنى ويبلى.. يطيب لي وجد محبوبي ويطيب له.. غناية إن صرت من حبه أعاني.. أنا أوله كلما نسنس يماني.. ألا يا قمري البان المحلا.. أذوق الكأس من ثغرك محلا.. متى يرضى وأجي له في محله.. واخلي في ربى صنعاء مكاني.. أنا أوله كلما نسنس يماني.. ترنمت ونظمت القاف فيها.. بلاد من الحسن قد همت فيها.. عساها دايم الأفراح فيها.. وتزها يا علي بعقد المثاني.. أنا أوله كلما نسنس يماني.. *من صفحة الكاتب على فيسبوك