رأفت علي الأكحلي

رأفت علي الأكحلي

وزير الشباب والرياضة السابق في اليمن

كل الكتابات
أوقات عصيبة وخطيرة في اليمن
الاربعاء, 21 يناير, 2026 - 02:50 مساءً

في ظلّ تصاعد حدّة التوتّرات السياسية في جنوب اليمن، فإنّ التحلّي بضبط النفس، والحوار الشامل والجامع، والحفاظ على تماسك البنى المؤسّسية، لا التصعيد، تُعدّ مجتمعةً عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان البلد سيتجه نحو الاستقرار أم سينزلق إلى مزيد من التفكّك.
 
بعد أسابيع مفصلية شهدت تغيّرات عميقة في خريطته السياسية، يجد اليمن نفسه مرّة أخرى عند مفترق طرق خطير. فمخاطر التصعيد وتجدّد المواجهة لا تزال قائمة، على الرغم من الجهود المتواصلة المبذولة لتفادي هذا المسار. وقد كشفت التطوّرات الأخيرة ضيق هامش الخطأ، وسرعة تحوّل أيّ سوء تقدير سياسي إلى عامل يقوّض توازناً هشّاً أصلًا والانحدار باليمن نحو درك سحيق من عدم الاستقرار. إنّ الإخفاق في خفض التصعيد في هذه اللحظة المشحونة بالتوتّرات قد يخلّف تداعيات واسعة لا تقتصر على اليمن فحسب، بل تمتدّ إلى محيطه الإقليمي الأوسع.
 
 في أوائل ديسمبر، أدّت التقدّمات التي أحرزتها قوّات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات العربية المتّحدة، في شرق اليمن، بما في ذلك محافظتا حضرموت والمهرة ذاتا الأهمّية الإستراتيجية، واللتان تحدّان المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان على التوالي، إلى ردّ فعل حادّ من جانب الرياض والحكومة اليمنية المُعترف بها دولياً. وقد جاء هذا الردّ بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، وبدور سعودي حاسم ومركزي، ردّاً متزناً ومسؤولاً، شدّد على ضبط النفس، وخفض التصعيد، واحترام السيادة اليمنية، وسعى إلى إدارة التصعيد واحتوائه بدلاً من دفعه نحو مزيد من التفاقم. وفي إطار التعامل مع الأزمة، أعلن العليمي حالة الطوارئ، وألغى اتفاقاً أمنياً مع الإمارات العربية المتّحدة، ودعا إلى انسحاب جميع قوّاتها من اليمن، إلى جانب طلب دعم عسكري سعودي للمساهمة في تثبيت الاستقرار.
 
وفي خلال أيام قليلة، وعلى وقع تصريحات سعودية علنية غير مسبوقة وجّهت انتقادات مباشرة للإمارات العربية المتّحدة، بل وحتى غارة جوية سعودية استهدفت شحنة من الآليات المدرّعة قيل إنّها مقدّمة من أبوظبي، أعلنت الإمارات انسحاباً عسكرياً كاملاً من اليمن. وفي أوائل يناير، أعادت القوات الحكومية المدعومة من السعودية بسط سيطرتها على المناطق المتنازع عليها، ووسّعت نطاق انتشارها وصولاً إلى عدن. وفي تطوّر لافت، اختفى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، حيث أفادت بيانات سعودية رسمية فراره بحراً إلى أرض الصومال، ومنها جواً إلى أبوظبي. وفي هذا السياق، أعلن وفد المجلس الانتقالي في الرياض حلّ المجلس وإغلاق جميع عملياته، على الرغم من أنّ هذا الإعلان لا يزال موضع خلاف بين بعض قيادات المجلس وأنصاره المتبقين.
 
في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ اليمن، تبرز الحاجة الملحّة إلى دبلوماسية فعّالة لحماية ما تبقّى من ركائز البلاد السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإنّ طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي من المملكة العربية السعودية استضافة حوار شامل يضم مختلف المكوّنات الجنوبية، وقرار الرياض الترحيب بهذه العملية واستضافتها، ضمن إطار جامع يركّز صراحةً على الحوار، وعدم الإقصاء، وإيجاد حلول عادلة لـ«القضية الجنوبية»، يمثّل خطوةً مهمّةً في الاتجاه الصحيح. وتكمن أهمّية هذه المبادرة في أنّها تنقل الديناميّة السياسية السائدة بعيداً عن منطق الأحادية نحو منطق العملية السياسية. فمن خلال إتاحة المجال لسماع مختلف الأصوات الجنوبية، تُخفّض مخاطر سوء التقدير، وتطمئن القواعد الشعبية القلقة، وتساهم في احتواء توتّرات كان من الممكن أن تُؤثّر سلباً وتتحوّل إلى اضطرابات اقتصادية أو تصعيد عسكري. كما تعكس هذه المقاربة إقراراً بأنّ القضية الجنوبية في اليمن قضية حقيقية، متجذّرة تاريخياً وحسّاسة سياسياً، ولا يمكن التعامل معها إلّا عبر الحوار، لا المواجهة.
 
لا يستطيع اليمن تحمّل جولة جديدة من القتال، فضلاً عن أن تكون بين قوى يُفترض أنّها حليفة. فقد شهد الاقتصاد اليمني تآكلاً تدريجياً على مدى عقد من الصراع، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي بنحو 58 في المئة، ما دفع غالبية السكان إلى دائرة الفقر. ويواجه نحو 49 في المئة من اليمنيين مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. ويُصنَّف اليمن اليوم كثالث أفقر دولة في العالم، في وقت يواجه فيه عجزاً غير مسبوق في تمويل المساعدات، إذ لم يُموّل برنامج الاستجابة الإنسانية للأمم المتّحدة لعام 2025 سوى بنسبة 25 في المئة. وفي هذا السياق، لا يعدّ ضبط النفس والدبلوماسية مجرّد فضيلتين سياسيتين، بل ضرورتين ماديتين. فالاضطرابات قصيرة الأجل في الموانئ والمعابر والمجال الجوي وآليّات التنسيق الإداري تخلّف آثاراً مضاعفةً على توفّر الغذاء، وأسعار الوقود، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية. كما أنّ مؤشرات التفكّك، سواء كانت واقعاً أم مجرّد تصوّرات، تقوّض الثقة بالعملة، وتعرقل واردات الوقود والسلع، وتُضعف مصادر الإيرادات الهشّة أصلاً. أمّا التداعيات الإنسانية فلا تقل حدّة عن ذلك. فالحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وضمان الوصول الإنساني يتطلّبان من الفاعلين السياسيين إدراك أنّ أيّ تصعيد، مهما بدا محدوداً أو محلّياً، ينطوي على عواقب وطنية.
 
لا يعني ذلك تجاهل حقيقة أنّ المشهد السياسي في اليمن متعدّد، ومتنازع عليه، ومتشكّل بعمق بفعل المظالم التاريخية ودون الوطنية. فالتطلّعات السياسية في الجنوب، على وجه الخصوص، ليست وليدة اللحظة ولا هي بمطالب مصطنعة، بل تعبّر عن تجارب معاشة ومطالب متراكمة لا يمكن تسويتها عبر الإنكار أو التأجيل. غير أنّ ثمة فارقاً جوهرياً بين الإقرار بالوقائع السياسية، وتكريسها في مسارات مغلقة أو نتائج نهائية لا رجعة فيها. إذ تُظهر التجربة التاريخية أنّ الخطوات الأحادية، حين تُتخذ خارج أُطر سياسية جامعة، غالباً ما تُضيّق هامش الخيارات بدلاً من توسيعه. أمّا الحوار، في المقابل، فيحافظ على المساحة السياسية اللازمة، مساحة للتفاوض، والتسوية، وبناء التوافق تدريجياً.
 
يحظى قرار المضي في حوار جنوبي شامل وجامع بدعم المملكة العربية السعودية وترحيب متنامي من الأطراف الفاعلة الإقليمية والدولية. ويعكس ذلك إدراكاً متنامياً بأنّ وحدة اليمن واستقراره وشرعيّته المستقبلية لا يمكن ترسيخها عبر الإعلانات أو الإملاءات، بل من خلال مسار سياسي منظّم وتشاركي. وفي هذه المرحلة، لا يحتاج اليمن إلى شعارات فضفاضة أو تسويات شاملة، بقدر ما يحتاج إلى خطوات منضبطة، وبنّاءة للثقة، على أربعة مسارات أساسية.
 
أولًا، يجب أن يكون الحوار الجنوبي المُقترح محدّد الأجل، جامعاً وشاملاً، ومركّزاً على المبادئ والمسارات، لا على مآلات الوضع النهائي. فقيمته لا تكمن في الوصول إلى تسوية فورية، بل في احتواء مخاطر التفكّك وبناء أرضية مشتركة.
 
ثانياً، يجب عزل الاقتصاد والعمليات الإنسانية عن منطق التصعيد السياسي. ويشمل ذلك حماية الموانئ، والمؤسّسات المالية، وسلاسل الإمداد من الضغوط السياسية، وضمان استمرارية الإدارة الاقتصادية. وعملياً، يتطلّب هذا التزاماً واضحاً من الأطراف الفاعلة السياسية اليمنية، بدعم من المملكة العربية السعودية وشركاء آخرين، بعزل القرارات الاقتصادية والإنسانية عن التنافس الفصائلي، مع إعادة التأكيد على سلطة الحكومة في إدارة هذه الملفات. كما يشمل ذلك تعديلاً وزارياً طال انتظاره، يمنح رئيس الوزراء هامشاً سياسياً كافياً لترشيد صنع القرار وإدارة شؤون الحكومة اليومية بعيداً عن التدخلات السياسية المفرطة. ويقتضي الأمر كذلك تمكيناً إستراتيجياً للسلطات المحلّية، إلى جانب مراجعة متأنية لنطاق الصلاحيات والمسؤوليات بين السلطة التنفيذية المركزية ونظيرتها المحلّية. ففي سياق هشّ كاليمن، لا تُعدّ السلطة التنفيذية المتماسكة ترفاً، بل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة.
 
ثالثاً، يجب أن يواصل التنسيق الإقليمي إعطاء الأولوية للاستقرار على حساب تحقيق المكاسب التكتيكية قصيرة الأجل. فاستمرار اليمن كدولة قادرة على أداء وظائفها لا يعتمد على التوافق الخارجي فحسب، بل يعتمد بالقدر نفسه على التسويات الداخلية. وفي هذا السياق، وبالنظر إلى مكانة المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الإقليمي الرئيس في ترسيخ خفض التصعيد، ودعم المسارات السياسية الشاملة والجامعة، وقيادة جهود الاستقرار الاقتصادي بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، فسيظلّ دورها عاملاً حاسماً في الحيلولة دون تجدّد التفكّك، ولا سيّما في ظلّ مراجعة الأطراف الفاعلة الإقليمية، ومن بينها الإمارات العربية المتّحدة، لأدوارها في أعقاب التطوّرات الأخيرة.
 
وأخيراً، يجب على القادة اليمنيين أن يبرهنوا على أنّ مبدأ ضبط النفس لا يقتصر على إدارة الأزمات الظرفية فحسب، بل يشكّل معياراً حاكماً، يقدّم استمرارية المؤسّسات والتماسك الاجتماعي على المكاسب السياسية قصيرة الأجل. ويشمل ذلك الامتناع عن اتّخاذ خطوات سياسية أو عسكرية أحادية تستبق الحوار، ومقاومة توظيف الأدوات الاقتصادية أو الإنسانية كوسائل ضغط.
 
 إنّ مخاطر الإخفاق ليست نظرية ولا مجرّدة. فهي تشمل، في جملة ما تشمل، اتساع فجوة الاغتراب لدى القواعد السياسية والاجتماعية في الجنوب، التي لا تزال تطلّعاتها السياسية من دون تسوية، بما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعبئة خارج الأطر المؤسّسية. وقد يجد اليمنيون أنفسهم مرّة أخرى أمام فرصة نادرة ضائعة لمعالجة هذا الصدع البنيوي المزمن عبر الحوار، الأمر الذي من شأنه ترسيخ الانقسام بدل إرساء أسس دولة أكثر استقراراً.
 
وإذا اختار القادة ضبط النفس على حساب التصعيد، والشمول بدل الإقصاء، والاستقرار بدل الاكتفاء بالرمزية، فلا يزال بإمكان اليمن عبور هذه المرحلة الحرجة من دون الانزلاق إلى أزمة أعمق. أمّا البديل، فسيكون أشدّ كلفة وأصعب على التراجع عنه؛ وبعد عقد كامل من الصراع، لم يعد اليمنيون قادرين على تحمّل مزيد من المعاناة الناجمة عن سوء التقدير السياسي.
 
العنوان الأصلي للمقال:
مع انحسار أحدث فصول الأزمة اليمنية، تلوح في الأفق أوقات عصيبة وخطيرة.
 
المصدر: موقع ميدل إيست كونسيل
 

التعليقات