خلال الشهر الأول من الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، بدا أن الحوثيين يراوحون في مساحة التريث، رغم أن الكثيرين توقعوا دخولهم في مرحلة أسرع، وبشكل غير تدريجي، استنادا إلى طبيعة العلاقة الوثيقة مع طهران والحرس الثوري.
وهذا التقدير ليس خاطئا، فالعلاقة بالفعل قوية ومؤثرة، لكن ما يغيب عن هذا التصور، هو أن القرار داخل الجماعة أصبح نتاج نقاش داخلي ممتد منذ فترة.
هذا النقاش يعود، في جذوره، إلى مرحلة إسناد غزة بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/نيسان 2023، وما تلاها من ضربات ارتدادية نفذتها الولايات المتحدة ثم إسرائيل منذ مارس/آذار 2025 حتى نهاية العام.
تلك المرحلة انتهت باتفاق مع واشنطن رعته سلطنة عمان في مايو/أيار 2025، كما انتهت الهجمات الإسرائيلية ضمن سياق تفاهمات غزة، لكنها تركت أثرا عميقا داخل الجماعة.
ترى بعض قيادات الحوثيين أن كلفة ذلك الانخراط خلال العامين الماضيين كانت كبيرة، ليس فقط على مستوى الخسائر العسكرية والقيادية وعلى مستوى المدنيين، بل أيضا من حيث استنزاف الموارد، وتآكل بعض البنية، وتعقيد المسار السياسي، خصوصا مع السعودية التي قدمت خارطة طريق السلام في اليمن عام 2022.
هذا التقييم لم يبقَ في حدود القراءة النظرية، بل تحول إلى أساس لنقاش داخلي أفرز تيارين واضحين.
التيار الأول يميل إلى التريث، ويرى أن التجربة السابقة أثبتت أن الانخراط المباشر لا يحقق مكاسب إستراتيجية بقدر ما يفتح جبهات مكلفة.
هذا التيار يدفع باتجاه تجنب المواجهة المفتوحة، والحفاظ على التفاهمات القائمة، خصوصا مع السعودية، والاكتفاء بالدعم السياسي أو العمليات المحدودة التي لا تجر إلى تصعيد واسع.
في المقابل، هناك تيار آخر يرى أن اللحظة الحالية مهمة لما يسمى محور المقاومة، وأن الغياب أو التردد قد يفقد الجماعة موقعها في معادلة ما بعد الحرب.
بالنسبة لهذا التيار، فإن التوقيت ليس توقيتا عاديا، بل نقطة حاسمة لإثبات الحضور، خاصة في ظل اتساع الصراع واحتمالات إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
بين هذين التيارين، تشكل السلوك الحوثي خلال الأسابيع الماضية، فلا هو انخراط شامل ولا غياب عن المشاركة. وقد ظهر ذلك في تصعيد الخطاب السياسي أولا خلال الشهر الأول من الحرب، ثم تنفيذ عمليات محدودة ومدروسة بدأت السبت 27 مارس/آذار 2026، لأول مرة، مع إعلان واضح عن التدخل التدريجي، ومراقبة التطورات، والحرص على عدم كسر الخطوط الحمراء التي سماها المتحدث العسكري باسم الجماعة، وخاصة ما يتعلق بمضيق باب المندب.
غير أن هذا التوازن قد يتعرض للاهتزاز في مرحلة ما مع تصاعد الحرب واتساعها إقليميا، وتزايد الحديث الإيراني والحوثي عن "وحدة الساحات". فكلما طال أمد الصراع، تضاءلت قدرة الجماعة على البقاء في المنطقة الرمادية نفسها، وازداد الضغط باتجاه المشاركة بشكل أكبر.
وهنا تبرز حقيقة أساسية، وهي أن قرار الحوثيين لم يعد داخليا، بل أصبح نتاج توازن دقيق بين نقاش داخلي وضغط خارجي. التريث لا يزال خيارا قائما، لكنه لم يعد خيارا مطلقا كما كان في بداية الحرب.
مع كل تطور ميداني، قد يقترب هذا النقاش من لحظة الحسم: إما تثبيت التريث كخيار إستراتيجي طويل، أو الانتقال إلى انخراط أوسع قد لا يكون تدريجيا كما كان معلنا عنه في بيان العملية الثالثة خلال هذه الحرب.
لكن ما يبقى ثابتا أن الجماعة دخلت هذه المرحلة وهي تحمل خبرة السنوات الماضية؛ تجربة تعرف كلفة الانخراط جيدا، وتدرك أن الدخول في الحرب ليس قرارا عسكريا فقط، بل مسارا سياسيا وأمنيا واقتصاديا مفتوح النتائج، وهي دفعت كلفة ذلك في حروبها السابقة مع أمريكا وإسرائيل.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل سيدخل الحوثيون الحرب؟ بل: كيف سيدخلون، وبأي كلفة، وهل سيتمكنون هذه المرة من ضبط حدود هذا الدخول؟ وهل سيتمكنون من صياغة معادلة صعبة، وهي الدخول المحسوب دون دفع الثمن كاملا؟
*الجزيرة نت