كشفت دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة Disaster Medicine and Public Health Preparedness التابعة لدار نشر جامعة كامبريدج البريطانية، عن انهيار واسع في خدمات السموم والرعاية المرتبطة بحالات التسمم والطوارئ الكيميائية في اليمن، نتيجة سنوات الحرب وتدهور النظام الصحي، محذرة من فجوات خطيرة تهدد حياة السكان، خصوصاً في المناطق الريفية ومناطق النزاع.
الدراسة التي حملت عنوان "تقييم خدمات السلامة والسموم في اليمن: الممارسات الحالية والفجوات والتحديات في نظام صحي متأثر بالنزاع"، أعدها فريق بحثي يضم الأطباء وهيب ناصر، ومحمد عبدربه، ومنير الشيخ، ويافوز ييغيت، ووليد سالم، بمشاركة باحثين من مؤسسة حمد الطبية في قطر ومستشفى الثورة بصنعاء، وحصل عليها الموقع بوست.
واعتمد الباحثون على دراسة ميدانية مختلطة شملت استطلاعات إلكترونية ومقابلات مع مسؤولين صحيين وعمليات تقييم لمرافق طبية في اليمن بين سبتمبر وأكتوبر 2024، بمشاركة 158 عاملاً صحياً من مستشفيات حكومية وخاصة ومراكز طبية في عدة محافظات بينها عدن وصنعاء وتعز وحضرموت.
وقالت الدراسة إن 72.4% من المرافق الصحية في اليمن تفتقر بشكل كامل لخدمات السموم، بينما لا تمتلك 78.8% من المنشآت أي وحدات متخصصة للتعامل مع حالات التسمم والطوارئ الكيميائية. كما تبين أن 6.4% فقط من المرافق التي تقدم خدمات سموم تعمل على مدار الساعة، في حين تعمل غالبية الخدمات لساعات محدودة.
وأظهرت النتائج أن التسمم بالمبيدات الزراعية يمثل أكثر حالات الطوارئ السمية انتشاراً بنسبة 73.1%، يليه التعرض للمواد الكيميائية بنسبة 58.3%، ثم الجرعات الدوائية الزائدة بنسبة 49.1%، إضافة إلى حالات لدغات الأفاعي والحيوانات السامة.
وحذرت الدراسة من أن اليمن يواجه عبئاً صحياً غير معلن نتيجة التسممات الكيميائية والدوائية، في ظل غياب البنية التحتية الطبية ونقص الكوادر المدربة والمواد المضادة للسموم، مشيرة إلى أن الحرب فاقمت مخاطر التعرض للمواد الكيميائية في مناطق النزاع، إلى جانب الاستخدام الواسع للمبيدات الزراعية.
وكشفت الدراسة أن 80.8% من المرافق الصحية تعاني نقصا حادا في الترياقات والأدوية المضادة للسموم، بينما تفتقر 85.4% من المنشآت إلى أدوات التشخيص الخاصة بحالات التسمم، كما أظهرت البيانات أن 81.5% من العاملين الصحيين يفتقرون للتدريب الكافي على التعامل مع الطوارئ السمية، في حين لم يحصل سوى 20% فقط على تدريب رسمي في مجال السموم.
وبحسب الدراسة، فإن 70.1% من المشاركين أكدوا عدم وجود مراكز رسمية لمكافحة السموم أو خطوط اتصال متخصصة في اليمن، بينما قالت 57.7% من المرافق إن مناطقها تفتقر لمختبرات مرجعية لفحص السموم.
وأوضحت الدراسة أن المستشفيات الخاصة تمتلك وصولا أفضل نسبيا للترياقات مقارنة بالمستشفيات الحكومية، غير أن غياب الكوادر المؤهلة يضعف قدرتها على إدارة حالات التسمم، كما أظهرت البيانات فجوة كبيرة بين المدن والأرياف، إذ تمتلك نحو 70% من المرافق الحضرية مضادات للسموم مقابل 18% فقط في المناطق الريفية.
وأشار الباحثون إلى أن عدن وصنعاء سجلتا أعلى معدلات حالات التسمم الكيميائي والمبيدات، ليس فقط بسبب الكثافة السكانية والنشاط الزراعي والصناعي، بل أيضاً لكونهما مراكز إحالة وطنية للحالات السمية الطارئة.
كما حذرت الدراسة من غياب أي بروتوكولات وطنية موحدة للتعامل مع الكوارث السمية أو حوادث التسمم الجماعي، مؤكدة أن 73.7% من المرافق الصحية لم تنفذ أي تدريبات طوارئ أو محاكاة لحوادث التسمم واسعة النطاق.
وقالت الدراسة إن الوضع الحالي يجبر العاملين الصحيين على الارتجال في التعامل مع حالات التسمم، ما يزيد احتمالات الأخطاء الطبية وضعف الاستجابة خلال الكوارث الكيميائية.
وأوصى الباحثون بإطلاق تدخلات عاجلة ومنخفضة التكلفة لتحسين خدمات السموم في اليمن، تشمل إنشاء خدمات استشارة متنقلة، وتوسيع التدريب الأساسي للعاملين الصحيين، وإطلاق حملات توعية حول الاستخدام الآمن للمبيدات، إلى جانب وضع بروتوكولات وطنية موحدة للطوارئ الكيميائية وتنفيذ تدريبات دورية على الاستجابة للكوارث.
كما دعت الدراسة إلى شراكات مع منظمات دولية، بينها منظمة الصحة العالمية، لدعم اليمن بالمعدات والخبرات الفنية وحلول التدريب الرقمي، مؤكدة أن التحسينات التدريجية حتى في ظل محدودية الموارد يمكن أن تقلل معدلات الوفيات والمضاعفات المرتبطة بحالات التسمم في البلاد.