عبدالرحمن الحداد الفنان والأكاديمي الذي تخرج من جامعة بغداد، تخصص إعلام، ثم عاد إلى الوطن. حنجرته كانت تسبق تخصصه الأكاديمي بخطوة، صوته أوسع من يُوصف، وأشمل من أن يُقارن بالأصوات الأخرى. واحد من الاصوات الحضرمية العريقة على ضفاف النغم، ابنة الساحل، وبطون الوادي "دوعن" "وشبام"، و "تريم" و "سيئون"، فكانت زاخرة باللحن والنشيد والصوت والكلمة. حناجر صدحت، ولم يكن في ميدان السباق بجزيرة العرب من يتجرأ على الإقتراب منها أو المنافسة. أصوات بطبقات صوتية فخمة تُعرف بطابعها الحضرمي الاصيل، ونوتاتها الموسيقية الفريدة، ابنة الوادي والساحل والصحراء. من الوادي أخذت جمال زقزقة العصافير وصفير البلابل، وحلاوة العسل الدوعني، ومن الساحل، في ليلة مُقمرة، صدى أجنحة النوارس وتكسر الأمواج، ومن الصحراء هزيع الريح وسلطة المكان، والقدرة على المقاومة والإستمرار كلما تقدم بها العمر، فلا تشيخ. على عرش هذه الاصوات تربع عبدالرحمن الحداد، وابو بكر سالم ، وكرامة مرسال، وعلي العطاس، وغيرهم.. غير أننا الآن بصدد الحديث عن الراحل الفنان عبدالرحمن الحداد، صاحب الصوت الذي امتزج فيه الدان الحضرمي وتعانق مع التراث الصنعاني، حين شدا بـ "مايو وفي الثاني وعشرين منه،" و "صادت فؤادي". ذلك ما يميزه، كما أبو بكر سالم تماماً حين صدح بـ "أمي اليمن"، و "أحبة ربا صنعاء"، فكانت من الروائع العابرة للأجيال. الحقيقة، أن من أراد أن يعرف ماذا تعني الوحدة لليمنيين، عليه اولاً أن يستمع لأغاني عبدالرحمن الحداد الوطنية. لذلك، فإن تأبيناً كبيراً لهذه القامة الثقافية والفنية الفذة، لا بد أن ينظمه السياسيون والمثقفون والأدباء والشعراء وكل أبناء اليمن، بما يليق بها، بطول اليمن وعرضه شماله وجنوبه. عبد الرحمن الحداد رحلة غنية، وقصة حياة إنسان وفنان عظيم، ولكنها أيضاً قصة جيل حمل آمال وآلام هذا الوطن. من حسن حظ الثقافة والفن في اليمن أن عاش هذا الفنان في فترة تحولات كبرى، بدأت من الستينيات وصولاً إلى تاريخ ميلاد الوحدة اليمنية، نضج صوته فيها بنضج التحولات التاريخية والسياسية. شاهد كيافع ومدرك أحداث ثورة اليمن ضد الأئمة عام 1962م، وتحرير واستقلال جنوب اليمن ما بين 1963 - 1967م، وصولاً إلى قيام الوحدة اليمنية عام 1990م، وهي تحولات كبيرة، ساهمت في رسم تاريخ اليمن الحديث والجزيرة العربية. لا يعرف إلا قليلون أن عبد الرحمن الحداد، إلى جانب حبه للفن والغناء، هو إعلامي ومقدم نشرات أخبار بارز، عمل في الإذاعة وتلفزيون اليمن قبل وبعد الوحدة، وصادق أدباء ومثقفين كبارا، كان أبرزهم الشاعر الغنائي الكبير أبو بكر المحضار، الذي تغنى بأجمل كلمات أغانيه وألحانه. رحم الله الفنان الكبير عبدالرحمن الحداد، وليكن تأبينه على المستوى الرسمي والشعبي، بما يليق بـ 36 عاماً من صوت الوحدة.