البعض، وللأسف الشديد، ما زالوا يتعاطون مع الواقع بعنادٍ ومكابرةٍ صمّاء، لا يدركون أنهم بتصرفهم هذا لا يجلبون لذواتهم وللآخرين سوى الويلات وصنوف المصائب والانقسامات. ربما اعتقد هؤلاء أنهم سيأتون بدولة الجنوب على طبقٍ من التمني، وأنهم إن لم يتمردوا على السلطة الشرعية، وينشئوا لأنفسهم ألويةً وكتائبَ عسكريةً ورئاسةً وعلَمًا ونشيدًا، فإن هذه الدولة المنشودة لن تقوم لها قائمة، وكأن الدول تُبنى بإعلانٍ وهتافاتٍ عاطفية، لا بتوافقاتٍ اجتماعيةٍ ومسارات سياسية واقتصاديٍة متماسكة. نعم، ثمة عنادٌ وحماقةٌ غير معقولة وغير مقبولة، خاصة بعد مرور كل هذا الوقت على الحرب والتحرير. إنه عنادٌ يُذكّرني بعناد الطفل الذي يمزق الخريطة لأنه لم تعجبه ألوان غرفته، غافلًا عن أن الجدران باقية، وأنه سينام ليلته في السرير ذاته. الواقع الجلي الذي يُغضون عنه أبصارهم هو أن من يسيطر ويحكم المحافظات الجنوبية اليوم هم جنوبيون خُلَّص؛ من رأس السلطة المحلية إلى قادة الجيش والأمن، وصولًا إلى آخر جندي في آخر نقطة تفتيش على الطرقات. لم يأتِ أحدٌ من عمران أو صنعاء أو صعدة أو ذمار ليحتل الأرض أو يفرض وصايته، فجميع المسؤولين والقادة والجنود من أبناء هذه المحافظات وفلذات أكبادها. ثم بعد هذا الوضوح، يأتيك شخصٌ معتلُّ العقل والمنطق ليهمس في أذنك عن "احتلال شمالي"، وعن كفاحٍ مسلحٍ مُقدّس! أجزم أن هؤلاء لم يرتكبوا خطأً سياسيًا فحسب، بل يعانون من مشكلة مركبة ذهنية ونفسية، فهم أسرى لذاكرة متورمة ومصابة بـ"عمى التغير"، يصورون للآخرين معاناة ما بعد حرب 1994م بكل قسوتها، متعامين عن أن اليوم لا يشبه مطلقًا الأمس، فشتان بين الحدثين، وبين التاريخين وتوابعهما. تصورات هؤلاء القادة في مجملها سوداوية قاتمة، وهي نتاج حقبة ماضوية مؤلمة عانى منها أغلب الجنوبيين لأكثر من عقدين من الزمن. والمفارقة المحزنة أنهم لا يزالون يتنفسون برئة الحراك الأول، عالقين في زمن التظاهرات والبيانات السابقة، رغم أنهم أصبحوا اليوم "الدولة المصغرة" في مناطقهم. ولأنهم لم يبذلوا جهدًا لتحديث تصوراتهم وتجديد خطابهم الذي ساد إبان زمن الغليان الأول، فإنهم وإلى اللحظة أسرى لتلك المرحلة الانتقالية، لا يستسيغون حلًا أو خيارًا غير ذاك الذي استبدّ بتفكيرهم وأغلق نوافذ الإدراك. قلت لصديق ناصحًا: اقلبوا الصفحة وتعاطوا مع الواقع بعقلانية ومنطق، فلقد أتعبتم أنفسكم وأرهقتمونا معكم، فأجابني مازحًا وقد شاب صوته بحسرة: "حاولنا يا صاحبي، لكن أصابعنا تخشّبت على الورقة ذاتها، فلم نستطع طي الصفحة والانتقال إلى الأخرى". وهكذا هو حال الكثير من الجنوبيين الطيبين، ضحايا لخطاب وإعلام وتصورات خاطئة وغير موضوعية، فهم في المحصلة ضحية لفكرة "فك الارتباط" التي أصبحت معتقدًا أيديولوجيًا جامدًا لا يقبل المراجعة أو المساءلة. وهي فكرة كانت مقبولة وملهمة في سياقها التاريخي، خاصة لفئة الشباب، لكنها وبعد التسونامي الذي ضرب المنطقة والعالم، كان لا بد لها أن تخضع لمراجعة نقدية شجاعة واستبدالها بأفكار تتناسب مع طبيعة المتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية. لكن هذه المراجعة، أو قولوا المكاشفة بين القادة والأتباع، لم يجرؤ أحد على طرحها أو مجرد التحدث بها، فكيف بمناقشتها؟ ونظرًا للحرب الدائرة وحالة الفراغ السياسي السائدة، وكذا الدعم المالي والعسكري من التحالف العربي، ظن أغلب القادة والموالين أن استقلال الجنوب بات وشيكًا، متكئين في أوهامهم على ما توافر لهم من جُند وعتاد. وبعنادٍ وسذاجةٍ سياسيةٍ غامروا بكل ما بنوه، متناسين أن الفوضى لا تُؤسس لدولة، وأن الفراغ لا يأتي بحلول بقدر ما يصنع أزمات وجودية. الخلاصة.. خذوها من شخص صديق، ناصح أمين، يعزّكم كثيرًا ولا يريد لكم إلا ما يريد لبنيه وإخوته: احفظوا جنودكم وعتادكم من التآكل في حروب عبثية، وكونوا جزءًا أصيلًا من جيش وأمن الدولة اليمنية الجديدة. لا تقفوا في المسار الخاطئ من التاريخ، فالقطار فاتكم ولن يعود للخلف أبدًا، والفطنة والذكاء في أن تستقلوا القطار التالي بدلًا من انتظار الذي لا يعود، غير ذلك ستجدون أنفسكم يومًا ما عجائزَ تحرسون علمًا في مهب الريح، بينما أبناؤكم يبحثون عن لقمة العيش في وطنهم، أو ربما أسوأ من ذلك حين يجدون أنفسهم قرابين مزهقة من أجل عناوين وشعارات باهتة وتحت رايات وميليشيات متعددة. القضية أعقد وأعمق من مجرد علم يُرفع ونشيد يُردد وفتيان يحملون السلاح جاهزين لخوض أي نزال . الجنوب المأمول ليس كيانًا جمادًا من خشب وإسمنت وجبال وقفار ونفط، بل هو روح وعقل وقلب وإنسان وفكر ورؤية لا تُبنى في مكاتب القادة ولا في عنابر المعسكرات، وإنما تُبنى في ذهن القادة والنُخب وفي كنف دولة عادلة تمنح المواطنة قيمة ومعنى. هذا الجنوب يمكن تحقيقه بشراكة حقيقية، وبدولة منصفة للجميع لا تُقصي أحدًا، فسخّروا جهودكم وأفعالكم وعتادكم لبناء الدولة اليمنية الاتحادية العادلة، فالدولة العادلة هي الغاية الوطنية التي نذر الشهداء أرواحهم في سبيلها، وأُريقت الدماء الغزيرة لأجلها. إنها الدولة التي ناضل من أجلها الرواد الأوائل، أولئك الذين لم يفرقوا يومًا بين شعب هنا وشعب هناك، ولا بين ثورة الجنوب أو الشمال، بل حلموا بوطن يتسع لكل أبنائه . أقولها بكل محبة وخشية، إن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس بقاء الوضع على ما هو عليه، وإنما أن تستمرئوا الوضعية التي صنعتموها - وكان لها أسبابها ومبرراتها -، فتصبحوا حُرّاسًا لمقبرةٍ تسمونها دولة. على الجنوبيين أن يغادروا المساحة الضيقة التي فرضتها عليهم القوة العسكرية الغاشمة في حرب صيف 1994م، الحاضر غير الماضي، وعليهم ألا يهدروا الفرصة في إدارة شؤون محافظاتهم. المسألة برمتها يجب النظر إليها من زاوية مغايرة، بل ومن مسافة أبعد وأرفع كي تروا الصورة تامة وكاملة، فلا تشغلوا أذهانكم وتفكيركم بما كان وساد؛ لأن ذلك يترك أثرًا سلبيًا، فأنتم الآن إزاء لحظة اختبار تاريخي لإثبات الجدارة في بناء يمن فيدرالي جديد، فهذه غاية لا ينبغي التفريط بها. فلتكن استجابتكم واعية لما بعد الحرب وإحلال السلام، ولتكن لكم في التاريخ بصمة بُناة وأحرار لا بصمة هدّامين ومتمردين. اطووا صفحة الأمس، ليس نسيانًا لجراحه، بل وعيًا ورغبة بغدٍ أفضل..