الرئيس هادي اليوم في رحاب الله الواسعة، وما يستوجب قوله في هذا المقام الجليل إنه كان شخصًا صادقًا، عفويًا، مؤمنًا بعمق بدولة اتحادية عادلة ومنصفة للجميع، جنوبًا وشمالاً. ظل نائبًا لرئيس استأثر بكل شيء، خلال حقبة زمنية بالغة الحساسية، امتدت من ظلال ما بعد حرب 1994م إلى أن أُلْقِيَتْ إليه السلطة على طبق من نار، في ظروف استثنائية شديدة التعقيد، إثر ما سُمِّي بثورات الربيع العربي 2011م. تولى مقاليد الحكم بالإنابة مؤقتًا، قبل أن يتقلد منصب الرئيس رسميًا عقب استفتاء فبراير 2012م، لتبدأ بذلك فصولٌ من أكثر المراحل اضطرابًا في التاريخ اليمني المعاصر. فلم يحدث في تاريخ اليمن أن وجد رئيسٌ نفسه بلا سلطة حقيقية، وبلا قوة عسكرية أو أمنية قادرة على حمايته، على ما في منصبه ومكانته من مهابة ورمزية وسيادة. نعم، كان غير محظوظ في المجمل؛ فكل ما أحاط به كان أشبه بعش دبابير، أو هكذا يمكن وصفه بدقة. كان الرئيس الأسبق قد استملك الدولة اليمنية بأسرها؛ مؤسساتها، وقضاءها، وجيشها، وأمنها، وبنكها المركزي، بل وحتى مشايخ القبائل. لقد أُفرِغَت المؤسسات من جوهرها الوطني لتحل محلها شبكات ولاء شخصية محكمة النسيج، مما جعل مهمة أي خلف له محفوفة بمخاطر وجودية. الرئيس هادي، الذي هو صنيعة دولة لها قوانينها وتقاليدها الراسخة في وجدانه وثقافته، لم يكن مطواعًا سهل السيطرة والتحكم به، كما ظن سلفه حين وافق على نقل السلطة إليه بناءً على المبادرة الخليجية المزمَنة. ولأنه وقف في وجه رئيسه الأسبق مدافعًا عن شرعية الدولة ومشروع التغيير، كان لا بد للأخير أن ينتفض من مركز قوته المستأثر بالسلاح والمال والإعلام والموالين. عندها، صارت العاصمة صنعاء ساحة مكشوفة لتصفية الحسابات مع الرئيس هادي وحكومته وكل من يؤيده ويدعمه في قراراته وإجراءاته السياسية، في مشهدٍ عبثي أضاع الوطن وأشقاه. التقيت به وجهًا لوجه في قصر معاشيق في فبراير 2016م، ضمن موفد السلطة المحلية بالضالع، وأذكر أنه حدثنا حديثًا من قلبه، بعفوية وصدق آسرين، ودون أي اعتبار للتقاليد الرسمية الصارمة. كان مسرورًا جدًا بتحرير الضالع، واصفًا ما حدث بالبشارة الكبيرة، ومذكرًا الحاضرين بما سطرته الضالع في حرب الاستقلال في يونيو 1967م، حين حملت البشرى الأولى بانتصارها وتولي الثوار مقاليد السلطة. كان يقول، بعينين تلمعان بأمل خفي، إن التاريخ يعيد نفسه، إذ جاءت البشرى الثانية من الضالع، وكأن لهذه الأرض الطيِّبة عناقًا خاصًا مع لحظات الخلاص. وهو يسرد ما ورثه وما زُرِع في دربه من ألغام، وكيف وجد ذاته رئيسًا عالقًا في الهواء، بلا سلطات أو صلاحيات أو جيش وطني محترف ومهني ينتمي بولائه للدولة والشعب، ووصل الأمر حد أنه لم يستطع حماية جنوده ومسكنه. فرغم اتخاذه جملة قرارات حاسمة لإعادة هيكلة الجيش وتحريره من ربقة الولاء القبلي والمناطقي الضيق، إلا أن تلك الإجراءات الجريئة اصطدمت بواقع مرعب؛ ولاء أولئك القادة العسكريين لم يرتقِ إلى مصاف المهمة الوطنية الانتقالية، فعلى العكس تمامًا، إذ إن بعض القادة الذين شغلوا مراكز حساسة خذلوا الرئاسة والحكومة والدولة في وقتٍ كان يتوجب عليهم فيه أن يكونوا مع وطنهم وشعبهم ودولتهم الجديدة، بدلًا من بقاء موالاتهم للقرية أو للقبيلة. ووصف ما حدث في أبين إبان توليه بواحدة من المحاولات البائسة لردعه وإفشاله، فلقد هُدِّد قبلًا بنقل عناصر القاعدة " أنصار الشريعة " إلى مسقط رأسه أبين إذا لم يتوقف ويتخلى عن أجندته السياسية المؤيدة لثورة التغيير. ووصل الأمر إلى حد إثارة الفوضى والإرهاب، باستخدام ورقة الإرهاب داخل العاصمة صنعاء؛ فلأول مرة تشهد البلاد مظاهر القتل الجماعي للمجندين في ساحات العرض العسكري، فضلًا عن التخريب اليومي الممنهج لخطوط نقل التيار الكهربائي بين مأرب وبقية محافظات اليمن. لقد كانت رسالة دموية فجة، مفادها: إما أن تكون أداة طيعة، وإلا فلن تحكم أبدًا، والفشل مصيرك وحدك. ما هو مؤسف حقًا، أن الرئيس هادي حمل مشروعًا وطنيًا كبيرًا، ومن أجله نذر حياته وتحدى ظروفًا صعبة وقاسية واستثنائية، فلم يهن أو يخضع أو يساوم حتى آخر لحظة. عمل كل ما بوسعه، بل وأكثر؛ لقد قاد اليمن في أسوأ مرحلة تاريخية، أقل ما يقال عنها إنها كفيلة بوأد عملية الانتقال السياسي في مهدها. ومع ذلك، أثبت امتلاكه قدرة رهيبة على الاحتمال وسعة صدر نادرة، وإدارته لتلك المرحلة أوشكت أن تصل إلى المحطة النهائية الآمنة بعد إقرار نتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل، فلم يبقَ إلا الاستفتاء على الدستور الجديد ليكون اليمن على أبواب عقد اجتماعي جديد. لكن القوى الانقلابية لم تمهله ريثما ينجز كامل المهمة الموكلة إليه كرئيس انتقالي توافقي، فكان الانقلاب المشؤوم 21 سبتمبر 2014م الذي ما زلنا نعاني تبعاته الكارثية إلى هذه اللحظة التي توقف بها قلب الرئيس هادي في الرياض، حيثما ظل منفيًا فيها طوال فترة نيفت العقد. وما يُحسَب للرئيس هادي، أنه لم يرفع الراية البيضاء أبدًا، حتى بعد إفلاته من الإقامة الجبرية يوم 22 فبراير 2015م، وملاحقته إلى عدن. فلولاه، وبكل ما يمثله من شرعية دستورية ورمزية، ما تدخل التحالف العربي في 26 مارس 2015م، ولكان وضعنا أسوأ بكثير مما هو سائد الآن. لا يدرك قيمة التحرير إلا أولئك الذين يرزحون تحت وطأة الجماعة الحوثية، ويعانون يوميًا من مصادرة الحريات، ونهب الأموال، وإشاعة الخوف والجوع والاضطهاد والتمايز العنصري المقيت. وأيًا كانت المآخذ على الإخفاقات الحاصلة في المحافظات المحررة، وعلى كل المستويات الاقتصادية والخدمية والأمنية والمؤسسية، إلا أن هذه الإخفاقات لا تقلل البتة من قيمة تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات ودوره التاريخي. فهذا التدخل العسكري أنقذنا من سيطرة جماعة سلالية كهنوتية عنصرية؛ فبدعم التحالف، قُدِّر لنا أن نقاوم، وبسلاح التحالف، وببسالة الرجال وتضحياتهم، تحررنا مما هو أسوأ من الاحتلال الأجنبي؛ تحررنا من مشروع ظلامي يريد إعادة اليمن إلى عصور الاستعباد والجهل. أيها المشير عبد ربه منصور هادي، لقد كنتَ هاديًا لبلاد منهكة ممزقة، تقودها وسط حقل ألغام بلا خريطة، وتخوض غمار بحر هائج بلا أشرعة. ولو أن القوم أدركوا اليسير مما قلتَه، والكثير مما لم تقله، والوجع الذي سكن صمتك الطويل، لكنا الآن في حال أفضل بلا شك. لقد أخطأوا بحقك وبحقنا مراتٍ ومرات، وقفوا بعمىً سياسيٍّ مقيت ضد مشروعك، رغم أنك كنت لهم الملاذ والسند. أعطيتَهم المسؤولية، ومنحتهم المشروعية والغطاء والسلاح والمال، وفتحت لهم أبواب عواصم دول التحالف والعالم، فأبوا إلا الكفر والتمرد والنكث بالعهد. المؤكد أن بعضهم اليوم سيذرف دموع التماسيح، وهناك من سيشعر بالندم والحزن الحقيقي في قرارة نفسه، لكنهم جميعًا ليس لديهم الشجاعة الأدبية الكافية ليعتذروا عن أخطائهم الكارثية، وليصوبوا الفكرة والرؤية، وليعترفوا بفضل الرئيس هادي عليهم وعلى محافظاتهم. فلولا رمزيته وشرعيته، وثباته في وجه العاصفة، لكان هؤلاء في مجاهيل الهامش والحسرة، أو لكانوا في عداد الفارين والنازحين المنسيين. لقد سلَّم الرئيس هادي الرئاسة طواعية لمجلس رئاسي، في 7 أبريل 2022م، واضعًا بذلك حدًا لمرحلة، ومفتتحًا طريقًا ربما يكون أكثر وعورة، لكنه اختار للوطن أن يحيا، حتى لو ماتت طموحاته الشخصية. كان فكرة ملهمة صامدة معبرة عن الدولة وفي مواجهة عاصفة من الخراب والفوضى والعنف والأنانية والحسابات الضيقة. وكان إيمانًا راسخًا بالتغيير الشامل لمصلحة اليمنيين جميعًا، وذلك بإقامة دولة اتحادية فيدرالية عادلة تتجاوز أخطاء الحقب المنصرمة، وتؤسس لعهد جديد من المواطنة المتساوية، ومن الشراكة الفعلية في السلطة والقرار والقوة والثروة وفرص العمل والاستثمار وووالخ. حاول أن يقيم دولة اتحادية عادلة في مساحة مسمومة بالتاريخ، وها نحن اليوم نودعه، حاملين أمانة السؤال: هل يمكننا إتمام المهمة الوطنية التاريخية يومًا، وفاءً للفقيد ولدماء ونضال كل الشرفاء؟. رحمة الله تغشاك ايها المشير الهادي، في ذمة الله ورحابه الواسعة، وليسكنك جنان الفردوس، نم قرير العين، فبعض البذور لا تموت، وإنما تنتظر المطر الآتي، وحتمًا ستنبت يومًا.. *من صفحة الكاتب على فيسبوك