[ رسومات توضيحية سابقة رسمها مختطفون في سجون الإمارات بعدن ]
لم تكن السجون السرّية في اليمن مجرد "تفاصيل أمنية" في زمن الحرب، بل كانت كاشفًا مبكرًا لانهيار فكرة الدولة حين تفقد المؤسسات قدرتها على ضبط القوة بالقانون، ويصبح الإنسان ملفا قابلا للإخفاء، وتتحول العدالة إلى خطاب عام لا إلى سلطةٍ تفصل وتُحاسب. ولأن هذا النوع من الجرائم لا يُرتكب في العلن، فقد ظل لعشر سنوات يتحرك في الظل: غرف بلا سجلات، وممرات بلا شهود، وأسماء تُقتلع من الحياة دون أثر، بينما يتآكل المعنى العميق لهيبة الدولة من الداخل.
ومع أن الملف عاد اليوم إلى الواجهة بعد تغيّر موازين نفوذ وتراجع الحضور المباشر للإمارات في بعض المناطق، فإن المشكلة الحقيقية ليست في "عودة الحديث"، بل في سؤال أكثر إزعاجا: لماذا لم يتحول الكشف المبكر إلى تحقيق؟ ولماذا ظل الضمير اليمني يسمع صدى الشهادات ولا يرى أثرا للعدالة؟ هنا تحديدا يتضح جوهر الأزمة: اليمن لم يكن عاجزا عن معرفة أن شيئا فظيعا يحدث، فطريقة بناء السجون السرية وحجمها ، يجب لا ، يقين هناك علم من كل اطراف التحالف علي الأرض، لكنه كان عاجزا عن تحويل هذه المعرفة إلى مسار مساءلة مستقل، طويل النفس، قادر على إثبات المسؤولية لا مجرد إدانة الظاهرة.
في ملفات التعذيب والسجون غير الرسمية والإخفاء القسري، لا يكفي أن تُروى القصص. التحقيق ليس أدبا في الألم، ولا وظيفة وجدانية لتسجيل المأساة. إنه هندسة قانونية دقيقة: إثبات الواقعة، تحديد الضحايا والأضرار، تثبيت سلسلة المسؤولية، بناء أدلة قابلة للتحقق، ثم نقل كل ذلك إلى مخرجات واضحة: إحالات، محاكمات، تعويضات، اعتذار رسمي، وإصلاحات تمنع التكرار. هذا الفرق بين "الرواية" و"الإجراء" هو ما يجعل القضايا الحقوقية في اليمن تتخذ غالبًا شكل موجاتٍ تتوهج ثم تخفت، لأن العدالة لا تلحقها بخطوة مؤسسية واحدة.
تزداد هذه المهمة تعقيدًا لأن جرائم التعذيب تحدث داخل مساحات مغلقة صُممت أصلاً لإخفاء أثرها. لا أوامر مكتوبة، ولا قيود متاحة، ولا إمكانية وصول منتظم، وفي كثير من الحالات لا تكون مؤسسات الدولة نفسها صاحبة القرار الحقيقي في الاعتقال والإفراج. يتشكل هنا نمط من السيادة غير المرئية: سلطة تمسك بالمعتقل وبمصيره، لكنها لا تترك على الورق ما يُمسك بها. وحين يصبح التحكم بالحرية خارج القانون، يتحول التعذيب من "تجاوز" إلى وظيفة، والإخفاء القسري من "حادثة" إلى نظام، ويتحول الخوف إلى لغة يومية تُدار بها المدن من دون إعلان رسمي.
لهذا السبب لا يمكن اليوم التعامل مع غياب التحقيق بوصفه مجرد خلل إداري أو تأخير طبيعي، لأن اللحظة الراهنة—بعد خروج الإمارات وتكاثر الشهادات وتجدد النقاش حول السجون السرّية—قدمت فرصة نادرة لإعادة بناء الملف من بدايته على أسس قانونية، لكن ما يزال الخلل يتكرر بالصيغة ذاتها: كشفٌ واسع بلا تحريز، وضجيجٌ عام بلا إجراءات تحقيق جنائي. فالقضية لم تعد تتعلق بما نعرفه عن الماضي، بل بما نفعله اليوم ونحن نملك قدرا أكبر من المعلومات، ونملك أسماء ومواقع وأنماطا، ونملك ضحايا وشهودا حاضرِين، ومع ذلك لا تُوضع أماكن الاحتجاز تحت سيطرة النيابة، ولا تُحفظ الأدلة، ولا تُدار الشهادات بمنطق حماية المصدر والتحقق والتدرج حيث رأينا صحفيين بلا مسؤولية في داخل ومواقع السجون ، ورأينا مؤتمرات تحقيق يحضرها العشرات قبل أي تحقيقات فردية وتوثيق الأدلة ، وهذا يفتح تساؤلات ت كبيرة حول معني التحقيق المقصود اليوم ، ففي جرائم التعذيب والسجون السرّية ليست الأدلة كلمات تُقال ثم تُطوى، بل أثر مادي ورقمي وسياقي: غرف وقيود، آثار ضرب وحبس انفرادي، سجلات نقل ووسائط تواصل، وممرات يمكن أن تستعاد خرائطها عبر شهادات متقاطعة. وحين لا يجري تحريز هذه الأمكنة فورا، تصبح قابلة للتنظيف وإعادة التسمية وتغيير الوظيفة، ويصبح الألم وحده هو الدليل، وهذا ليس ضعفًا في رواية الضحايا بل جريمة ثانية ضد الحقيقة: أن يُترك المكان الذي صنع الانتهاك للعبث بينما يُطلب من الضحية أن يحمل وحده عبء الإثبات في مواجهة منظومة ما تزال تملك القوة والوقت والمساحة لإخفاء آثارها.
النشر الإعلامي في ذاته ليس خطيئة. أحيانا يكون ضرورة عاجلة لإنقاذ حياة، ومنع تصفية، وكسر إنكار رسمي حاول طمس الوقائع. لكنه يصبح خطرا حين يتحول إلى بديل عن التحقيق، أو حين يُطلق بلا حساب في لحظة تتصارع فيها القوى على النفوذ، كما رأينا في سوريا حينما اقتحم السجون وغابت الأدلة المادية والوثائق ، لأن الإعلان المبكر قد يمنح الجناة وقتا ثمينا: نقل المعتقلين، إزالة آثار الجريمة، تهديد الشهود، وإعادة هندسة الرواية، فالمجرمون تعلموا ممن سبقهم من الطغاة ، وبذلك تتحول القضية إلى معركة سمعة لا مسار مساءلة. بهذا المعنى، الإعلام قد يوقظ المجتمع، لكنه لا يبني وحده ملفا قضائيا ما لم يرافقه مسار هادئ ومحكم لحفظ الأدلة وحماية الشهود.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز الصارم بين "السرد الحقوقي" و"التحقيق القضائي"، السرد الحقوقي يؤدي وظيفة لا غنى عنها: الإدانة الأخلاقية، تسجيل الظلم، كسر الصمت، وتكوين وعي عام. لكنه يبقى غالبًا ضمن دائرة الرواية وبناء الضغط. أما التحقيق القضائي فهو مسار طويل قد يستغرق سنوات، يتقدم ببطءٍ محسوب، يتحقق من الوقائع، يقارن الأدلة، يثبت المسؤولية على مستوى الفعل وعلى مستوى سلسلة القيادة، ويستعين بخبرات وتقنيات خاصة في التوثيق والتحليل وإدارة البيانات. والأهم أنه يحتاج السرية والهدوء والانضباط؛ لأن كشف الأدلة مبكرًا يعني إهداء الجناة خريطة النجاة، خصوصا حين يكون كثير منهم ما يزالون طلقاء. ثم إن التحقيق الحقيقي لا يكتسب شرعيته من الشعارات، بل من موثوقيته: استقلال مالي وإداري، حياد مهني، قدرة على إصدار نتائج لا تُدار لصالح طرف سياسي ولا تُستخدم كسلاح في خصومة، بل تُبنى على معيار العدالة وحده.
في تجارب دولية عديدة يظهر هذا الفارق جليًا. تشيلي مثلا لم تكتفِ بإدانة عامة لانتهاكات الماضي، بل بنت مسارات مؤسسية متدرجة: سجل رسمي للقتل والاختفاء، ثم مسار أكثر تخصصًا في السجن السياسي والتعذيب، حيث تحولت الشهادة إلى جزء من بناء الدليل لا مجرد رواية تُقرأ. وجنوب أفريقيا بدورها لم تجعل الحقيقة حدثا إعلاميا، بل عملية شاقة توزعت بين الاستماع للضحايا وجبر الضرر وتثبيت أنماط العنف، ضمن قواعد توازن بين كشف الحقيقة وبناء مخرجات قابلة للتنفيذ. الدرس هنا لا يتعلق باستنساخ التجارب، بل بفكرة جوهرية: الحقيقة لا تتحول إلى عدالة تلقائيًا، بل تحتاج مؤسسة تحقيق مستقلة، وإجراءات حماية، وزمنًا يسمح للأدلة أن تتماسك.
هذا يقود إلى أخطر مفارقة في الحالة اليمنية اليوم: حين تتحول "لجنة التحقيق" نفسها إلى جزء من المشكلة، ففي اللحظات التي يعلو فيها التحشيد السياسي، قد تُستدعى الضحايا فجأة بعد عشر سنوات من الصمت إلى قاعة واحدة، ويُطلب منهم الإدلاء بشهاداتهم في مشهد يبدو أقرب إلى العرض منه إلى التحقيق. التحقيق الجاد لا يبدأ بتجميع الضحايا على طريقة الحشد، ولا يُدار تحت سقف سياسي ثقيل، ولا يستبدل إجراءات التحريز والحماية بالميكروفونات. الشهادة في ملفات التعذيب ليست مادة للاستهلاك العام؛ إنها دليل حساس قد يعرّض صاحبه للضغط والتهديد، وقد يُستغل لفرز الجرائم سياسيًا: فتح ملف خصمٍ ضعيف، وإغلاق ملفات خصومٍ محميين، وتوجيه الغضب حيث تريد القوة لا حيث يقود القانون.
وما يزيد التشكيك في أي مسار جديد هو مشهد الإفلات من العقاب وهو يتجول بهدوء تحت حماية سياسية، إذ لا يمكن للضحايا أن يثقوا في "تحقيق جديد" بينما تظهر أسماء ارتبطت في إفادات وشهادات بسياقات اقتحامات واعتقالات واختطافات وإخفاء قسري، دون أن يكون ذلك جزءا من تحقيق قضائي أو مراجعة رسمية جدية. ليس المقصود هنا شخصا بعينه بقدر ما هي ظاهرة: أن يتعامل الواقع مع المتهمين بوصفهم "جزءا طبيعيا من المشهد"، وأن تستمر قيادات أمنية في عدن والمكلا دون مساءلة عن أدوار مرحلة الانتهاكات أو عن مسؤوليات القيادة أثناء وقوعها. ويظل نموذج شلال—بوصفه رمزا لإشكالية أوسع—كاشفا لهذه المعضلة: حين تتكدس الاتهامات والشهادات حول مواقع حساسة شغلها قادة أمن، ثم يُعاد تدوير حضورهم سياسيًا بلا تحقيق، تصبح الدولة في عين الضحايا طرفًا في إدارة الإنكار لا في كشف الحقيقة.
بعد خروج الإمارات أو تراجع حضورها المباشر، تبدلت الحسابات وارتفعت أصوات كانت صامتة. وهذا لا يجب أن يُقرأ بوصفه صحوة أخلاقية مفاجئة، بل بوصفه اختبارا لمعيار العدالة: هل سيتحول الملف إلى مسار تحقيق شامل يطال الجميع، أم إلى ورقة لإعادة ترتيب الخصومات؟ الخطر أن يتم تحويل جهة واحدة إلى "شيطان المرحلة" لتصفية الحساب، ثم تُدفن بقية الملفات تحت مبررات الاستقرار. بهذه الطريقة لا تُعالج السجون السرّية، بل تُدار سرديتها: تُفتح حين يخدم فتحها موازين القوة، وتُغلق حين يصبح القانون عبئا على التحالفات.
لهذا فإن جوهر المساءلة لا يبدأ من تغيير المسميات الأمنية ولا من إعادة توزيع الأدوار داخل المؤسسات، بل من تغيير العقيدة نفسها: العقيدة التي ترى الاعتقال أداة ضبط، والتعذيب وسيلة تحقيق، والإنسان رقما قابلًا للإخفاء. بقاء هذه العقيدة يعني أن اليمن لا يغادر السجون السرّية، بل يعيد إنتاجها بأسماء أكثر حداثة وبواجهات أكثر تهذيبا. المطلوب ليس فقط فتح ملف، بل فتح منهج: تحريز أماكن الاحتجاز، إخضاعها للقضاء والنيابة، بل للجنة تحقيق ذات اختصاص قضائي دولي ، لم تكن جزاء من الماضي ، ولم يدور حولها شبهة الصمت للقوي ، فتعمل توثيق و تجريم مرافق الاحتجاز خارج القانون، حماية الشهود، بناء قاعدة أدلة محمية من العبث، ثم مساءلة تتدرج من المنفذ إلى القيادة، لا تُدار من فوق السياسة بل من داخل القانون.
العدالة ليست أن نستمع إلى الضحايا متأخرين، بل أن نُنهي شروط الجريمة نفسها. ليست أن نُدين بالأخلاق ثم نعود إلى الصمت، بل أن ننقل الألم من الذاكرة إلى المحكمة، ومن الغضب إلى المسؤولية، ومن الرواية إلى الدليل، وما دام التحقيق في اليمن يُدار تحت ظل التحشيد لا تحت مظلة الاستقلال، ستظل الحقيقة حاضرة بلا قاضٍ، والضحايا حاضرون بلا إنصاف، والدولة معلّقة بين خطاب العدالة وممارسة الإفلات من العقاب، وفي بلد أنهكته الحروب، قد لا يكون الطريق إلى السلام أقصر من العدالة، لكنه الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بعودة القبو من جديد.
*توفيق الحميدي رئيس منظمة سام للحقوق والحريات.