[ عيدروس الزبيدي ]
يتكشّف تباعاً مزيد من التفاصيل والمعلومات حول الأيام والساعات الأخيرة لنائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في عدن، الذي تغير وضعه ومستقبله السياسي، من فاعل رئيس في المشهد داخل معسكر الشرعية بوصفه عضو مجلس القيادة وصاحب النفوذ السياسي والعسكري الأقوى في جنوب اليمن إلى المطلوب رقم واحد للحكومة الشرعية، وكذلك التحالف العربي، بقيادة السعودية في المناطق المحررة، ومتهماً بالخيانة العظمى، قبل أن يختفي عن الأنظار منذ إعلان التحالف فراره من عدن في 7 يناير/كانون الثاني 2026 ويصبح مستبعداً من كل مناصبه والمسؤوليات التي كان يتولاها.
ويروي 13 قيادياً ومسؤولاً تواصلت معهم "العربي الجديد"، ويوجدون في عدن والرياض، وقائع العد التنازلي للمصير الذي آل إليه عيدروس الزبيدي، والتي بدأت مع تحرّكه عسكرياً للسيطرة على محافظات شرق اليمن، تحديداً حضرموت والمهرة، مطلع الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، قبل أن تتدخل السعودية لتضع حداً لهذا التمدّد بعدما رفض الزبيدي التجاوب مع مطالب له بالتهدئة والانسحاب من المحافظتين، ووصولاً إلى لحظة سقوطه الكامل سياسياً وعسكرياً.
وتذكر مصادر في هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن نقطة التحول الرئيسية بدأت مع اللجان التي شكلها المجلس الانتقالي الجنوبي باسم "اللجان الرئاسية"، والنزول الميداني إلى كل محافظات الجنوب، مشيرة إلى أنها أدت دوراً تمهيدياً في تهيئة البيئة السياسية والشعبية للتصعيد الذي دشّنه الزبيدي بداية الشهر الماضي (ديسمبر 2025) في محافظات الشرق، وكذلك في عدن.
وتؤكد المصادر أن عيدروس الزبيدي، الذي كان على تواصل مباشر مع الإمارات، دفع بكل ثقله نحو حضرموت والمهرة، بالتزامن مع حملات إعلامية وتظاهرات، بعد حصوله على ما اعتُبِر ضوءاً أخضر إمارتياً التحرك شرقاً انطلاقاً من قناعة بأن الظروف أصبحت مهيأة للسيطرة على المحافظتين، وضمهما إلى المناطق الخاضعة لسيطرة "الانتقالي"، وأن هناك تطورات إقليمية ودولية مساعدة حان وقت الاستفادة منها.
وبحسب المصادر، مدفوعاً بقناعة تولدت لديه بأنه أصبح الأقوى سياسياً عسكرياً في جنوب اليمن، اندفع الزبيدي وبشكل متسارع لإنهاء وجود الحكومة الشرعية في عدن، التي كان جزءاً منها، وطردها بالتزامن مع تصعيده في الشرق. وتوضح المصادر أن مسؤولين وسياسيين جنوبيين كثيرين انخرطوا معه في هذا التوجه ظناً منهم أن مشروع "إعلان دولة الجنوب العربي" قد حانت ساعته، وتفصل أيام فقط عن تحقيقه.
وهم تكرار سيناريو 2019
وكشفت المصادر، التي تحدثت لـ"العربي الجديد" وبينها مقرّبون ومستشارون في المجلس الانتقالي الجنوبي، أن عيدروس الزبيدي كان مصدر المعلومة ومصدر القرار بحكم الارتباط مع المسؤولين الإماراتيين، لذلك ما إن دخل إلى محافظتي حضرموت والمهرة، وبدأت ردة الفعل السعودية تتصاعد، من خلال إرسال الرسائل الواحدة تلو الأخرى بضرورة التهدئة، كان الزبيدي ومقرّبون منه يقولون إن هذه الرسائل السعودية، تعد رسائل العام 2019 نفسها عندما سيطر "الانتقالي" على عدن.
وفي الأيام الأولى من تصعيد معسكر عيدروس الزبيدي عسكرياً كان الموقف السعودي يقتصر على تصريحاتٍ منتقدة، قبل أن تتصاعد حدّته مع وصول رئيس اللجنة السعودية الخاصة اللواء محمد عبيد القحطاني الى حضرموت في 5 ديسمبر الماضي لترتيب الأوضاع فيها متجاهلاً المجلس الانتقالي الجنوبي تماماً. وبحسب المصادر، أكمل القحطاني الترتيبات وعاد إلى الرياض، محملاً بخلاصة مفادها أن "الانتقالي" تجاهل كل الرسائل السعودية، وواصل التصعيد رغم آراء بدأت تتشكل داخل المجلس الانتقالي الجنوبي في حينه بضرورة التفاعل مع السعودية.
ووفق المصادر، عمد عيدروس الزبيدي، الذي كان مدعوماً كلياً من الإمارات في هذه المعركة، إلى قطع الطريق أمام الترتيبات السعودية في حضرموت، حتى أنه سعى إلى القضاء على الاتفاق الذي عقدته السعودية بين السلطة المحلية وحلف قبائل حضرموت وبعض القبائل والأطراف في حضرموت، والقاضي بتشكيل قوة عسكرية وأمنية تتبع المحافظ شخصياً، وتشرف على حقول النفط، وتسيطر على كل المناطق الحساسة والاستراتيجية في المحافظة، مع ضرورة مغادرة قوات "الانتقالي" الآتية من خارج حضرموت وعودتها إلى مواقعها السابقة.
وحتى بعد البيان السعودي في 25 ديسمبر الماضي بضرورة خفض التصعيد، تجاهل الزبيدي ذلك، وشن عملاً عسكرياً إضافياً، عبر اقتحام مناطق هضبة حضرموت، وهاجم معقل حلف قبائل حضرموت في غيل بن يمين والشحر، وصولاً إلى منطقة الخشعة، ما زاد من الغضب السعودي، حسب ما أكدته مصادر سياسية جنوبية أيضاً في الرياض. ومع أن شخصيات جنوبية في قيادة الشرعية في الرياض، وكذلك خارجها، حاولت بشكل شخصي، التواصل مع قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي ومقربة منه وأبلغتها بمدى الغضب السعودي وحقيقته، وضرورة الضغط على عيدروس الزبيدي للانسحاب والتجاوب مع تحرّكات الرياض لتجنب أي مآلات في الساحة الجنوبية، لكن وحسب بعض ممن حاولوا إيصال الرسائل، وبعض المقربين من الزبيدي، تجاهل الرجل هذا، وأبلغ مقرّبين منه بأن الأمور محسومة لصالح "الانتقالي" على الأرض، وأن السعودية لن تتحرك ضد "الانتقالي" والقوات الجنوبية، بفعل التطمينات الإماراتية له.
ومع تصاعد الهجوم الإعلامي السعودي، بدأت الشكوك تتسلل إلى أوساط قيادات في المجلس، فيما ظل الزبيدي يقدّم تطمينات لم تعد مقنعة حتى داخل دائرته الضيقة، وكان يصر على أن قواته اليوم قادرة على مواجهة أي عمل عسكري سعودي، أو من الحكومة الشرعية. وانعكست هذه الأجواء على خطاب قناة عدن المستقلة التابعة للمجلس بوصفها جانباً تعبوياً، مع تأكيد الزبيدي أن الإمارات معهم وتدعمهم، خصوصاً أن الأخيرة فعلاً أمدّتهم في تلك اللحظات بأسلحة حديثة لإرسالها إلى عدن وحضرموت.
السعودية غاضبة
وكما تروي مصادر داخل قيادات "المجلس"، بدأ الزبيدي يشعر بالقلق فعلياً عندما أغلقت السعودية أي قنوات تواصل مع "الانتقالي"، وهو ما دفع بعض القيادات داخل "الانتقالي" لمواجهته بأن التطمينات التي يقدّمها غير صحيحة، لكن لم ينتج من هذا الوضع أي ليونة في موقفه. وفي تلك الفترة، كان الوسيط عبد الرحمن شيخ الذي عين أخيراً محافظاً لعدن، قد دخل على خط التوسط، إذ نقل للزبيدي، بحسب ما قالت مصادر "العربي الجديد"، ما أبلغته القيادات السعودية له بضرورة الانسحاب من المحافظتين والذهاب للرياض.
تطمينات إماراتية وغارات سعودية
ووفقاً للمصادر، مع تعنت عيدروس الزبيدي، بدأت قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي تتراجع إلى الخلف، وتدعه في الواجهة، خصوصاً أن القيادات أدركت أن المملكة هذه المرّة قد حسمت أمرها بالقضاء على "الانتقالي". ورغم كل هذه التطورات، تقول المصادر إن تطمينات إماراتية كانت تتواصل وتركز على أن الأوضاع ستكون لصالح الجنوب، لكن الأوضاع بدأت تخرج عن السيطرة، خصوصاً بعد الغارات السعودية التحذيرية على قوات "الانتقالي" في حضرموت والمهرة، فيما هاجم الإعلام التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي السعودية بشدة. وحتى بعد هذه الغارات، استمر عيدروس الزبيدي وبعض القيادات المقربة منه بتكرار التطمينات نفسها، لكنها لم تدم بعد أن استهدف الطيران الحربي السعودي في 30 ديسمبر الماضي العتاد العسكري الإماراتي في ميناء المكلا، والذي كانت أبوظبي أرسلته إلى المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته في حضرموت والمهرة. وهذا الإجراء كان إيذاناً بأن الرسائل السياسية السعودية انتهت وبدأ الشق العسكري.
هنا، حسب المصادر، أدرك الزبيدي ومعه قيادات المجلس الانتقالي أخيراً أن السعودية ليست هي نفسها في العام 2019، وأن حضرموت خط أحمر سعودي حقيقي، وأن الرياض قررت فعلياً ضرب المجلس الانتقالي الجنوبي. ومع تزايد الضغط، بعد هذه الضربة التي أكدت جدية السعودية، تقول المصادر إن عيدروس الزبيدي حاول أن يتخذ قرار الانسحاب من حضرموت والمهرة، لكن الإماراتيين تواصلوا مع قيادات ميدانية عسكرية، وأبلغوها بضرورة عدم التجاوب في حال أعطاهم الزبيدي أمر الانسحاب، ما زاد من تعقيد وضعه والمشهد وإغلاق باب الحلول السلمية.
عيدروس الزبيدي وسط صراع قوتين
وعليه، تقول المصادر إن عيدروس الزبيدي وجد نفسه، في نهاية المطاف، وسط صراع مصالح قوتين على الأرض، وأصبح هو والقوات الجنوبية والمجلس الانتقالي قربان فداء. وفي هذه الأثناء، اتخذت الشرعية، ومن خلفها السعودية، قراراً، في 30 ديسمبر الماضي بضرورة مغادرة الإمارات الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، ومطالبتها بقطع كل دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي، وأي أطراف يمنية أخرى، مالياً وعسكرياً، وهنا أدرك عيدروس الزبيدي أن كل شيء انتهى، وقد خسر المعركة، بعد إسراع الإمارات لمغادرة الأراضي اليمنية. وتزامنت هذه التطورات المتسارعة مع انصياع عيدروس الزبيدي أخيراً واتخاذ قرار الانسحاب بعد بدء العملية العسكرية ضد قواته في حضرموت.
وبحسب المصادر التي واكبت التطورات، كانت الساعات تمر صعبة على الزبيدي بعد أن تُرك وحيداً، وبات لزاماً عليه أن يقرر وحده مصيره ومصير المجلس، ومصير مشروع استمر بناؤه ما يقرب عقداً من الزمن. وبحسب المصادر، فإنه في هذه الفترة كان الزبيدي قد رفع من احتياطاته الأمنية وأخذ يتنقل من منزل إلى آخر، خوفاً من أي استهداف له بعدما أصبح مطلوباً للشرعية وللرياض، ففضل التراجع والاختفاء، مع بقاء القوات الجنوبية التي كانت تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي، وغاب عن الأنظار بعد أن قال التحالف، في 7 يناير/ كانون الثاني الحالي، إن الزبيدي هرب بمساعدة الإمارات، مع بعض مساعديه، إلى أبوظبي.