الخليج في متاهة الحرب.. كيف تحولت المنشآت الاقتصادية إلى ساحة المواجهة بين إيران وواشنطن؟
- غرفة الأخبار الاربعاء, 11 مارس, 2026 - 12:15 صباحاً
الخليج في متاهة الحرب.. كيف تحولت المنشآت الاقتصادية إلى ساحة المواجهة بين إيران وواشنطن؟

[ قادة دول مجلس التعاون الخليجي ]

تواجه دول الخليج العربية معضلة إستراتيجية معقدة مع اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في ظل انتقال المواجهة من إطارها العسكري المباشر إلى مستوى الضغط الاقتصادي واستهداف البنى الحيوية في المنطقة.

 

 ويرى تحليل نشره مركز الجزيرة للدراسات أن هذا التطور وضع الخليج أمام ما يمكن وصفه بـ"متاهة إستراتيجية" تجمع بين ضغوط إيران ومتطلبات التحالف مع واشنطن وضرورات حماية الاستقرار الاقتصادي الداخلي.

 

الورقة التحليلية التي كتبها مدير المركز محمد المختار الخليل تشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة بعد أن وسعت إيران ردها ليشمل دول الخليج، مستهدفة منشآت اقتصادية ومرافق مدنية، في خطوة تهدف إلى رفع كلفة الحرب على الأطراف الداعمة لها ودفعها للضغط من أجل وقفها.

 

يصف التحليل الوضع الحالي بأنه "متاهة إستراتيجية"؛ إذ يؤدي أي خيار تتخذه دول الخليج إلى تكاليف في اتجاه آخر بسبب تداخل الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية.

 

فإيران تسعى إلى تعظيم الكلفة الاقتصادية للحرب في المنطقة، بينما تضغط الولايات المتحدة على حلفائها الخليجيين لتعزيز مساهمتهم الدفاعية وحماية القواعد العسكرية والممرات البحرية: وفي المقابل، تسعى دول الخليج إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية اقتصاداتها وثقة المستثمرين.

 

ووفقا للكاتب بدأت الحرب بهجوم مباغت شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أسفر عن مقتل عدد من قياداتها، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد بسرعة وبأسلوب غير تقليدي، مستهدفة القواعد العسكرية الأميركية إلى جانب البنية الاقتصادية للدول التي تستضيفها.

 

وبحسب التحليل، انتقلت إيران من استهداف القواعد العسكرية إلى استراتيجية أوسع تقوم على إضعاف الوظيفة الاقتصادية للمنطقة عبر ضرب منشآت الطاقة والمطارات والموانئ والتأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريان تصدير الطاقة الخليجية.

 

وتهدف هذه الإستراتيجية إلى رفع تكلفة الحرب اقتصاديا على دول الخليج والعالم، بما يدفع تلك الدول إلى ممارسة ضغط سياسي على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. وتشير الورقة إلى أن إيران لا تسعى بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري ميداني بقدر ما تسعى إلى تعظيم كلفة استمرار الحرب.

 

تختلف أهداف الأطراف الرئيسية في الحرب وفق موقع كل منها في الصراع. فإيران تسعى إلى تحويل الخليج إلى ورقة ضغط عبر ضرب الاقتصاد وتعطيل الملاحة وإمدادات الطاقة، أما الولايات المتحدة فتركز على حماية قواعدها العسكرية ومنع توسع الحرب بما يضر بالاقتصاد العالمي والحفاظ على تماسك التحالف الإقليمي الداعم لها.

 

في المقابل، ترى إسرائيل أن هدفها الإستراتيجي يتمثل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر إضعاف النفوذ الإيراني وتفكيك ما تسميه "محور المقاومة"، بما في ذلك تقويض النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن.

 

أما دول الخليج، فتسعى إلى تجنب الانخراط المباشر في الحرب قدر الإمكان مع الحفاظ على تحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه حماية أمنها الداخلي وبنيتها الاقتصادية الحيوية.

 

وتكشف الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة عن تحديات كبيرة تواجه الأمن الداخلي في دول الخليج، كما أن إعلان قطر اعتقال خليتين أمنيتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني يشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة "حرب الظل" التي تشمل التجسس والتخريب الداخلي.

 

ويؤكد التحليل أن هذا التطور يتطلب توسيع مفهوم الأمن القومي الخليجي ليشمل حماية المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية الحساسة، وتعزيز إجراءات مكافحة التجسس والهجمات السيبرانية.

 

يرجح التحليل أن مسار الأزمة سيتحدد وفق عدة عوامل، أبرزها تأثير الحرب في الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة، وفعالية الدفاعات الجوية الخليجية في حماية المنشآت الحيوية، وحدود الرد الأميركي، إضافة إلى حسابات إيران في رفع الكلفة الاقتصادية دون دفع المجتمع الدولي إلى تدخل مباشر ضدها.

 

وتطرح الورقة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الحرب، منها استمرار الضربات المحدودة ضمن ما يسمى "حرب الكلفة الاقتصادية"، وتوسع الحرب إقليميا إذا تعرضت منشآت طاقة حيوية لضربات كبيرة، واحتواء سريع للأزمة نتيجة ضغوط دولية متزايدة بسبب تأثيرها في الاقتصاد العالمي.

 

وتشير الدراسة إلى أن الحرب قد تؤدي إلى ارتفاع المخاطر الأمنية على المنشآت الاقتصادية وتعطل حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، إضافة إلى ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة. لكن في المقابل، قد تدفع هذه التطورات إلى تعزيز التعاون الدفاعي الخليجي وتطوير أنظمة الدفاع الجوي وأمن الطاقة والملاحة البحرية.

 

في ضوء هذه التحديات، يقترح التحليل عددا من الخيارات الإستراتيجية لدول الخليج، من بينها اتباع نهج "الحياد الإستراتيجي" لتقليل الانخراط المباشر في الحرب، وتعزيز قدرات الردع الدفاعي لحماية البنية الاقتصادية، والعمل على تدويل قضية حماية الملاحة في الخليج من خلال إشراك القوى الدولية المستفيدة من الطاقة الخليجية.

 

ويشير تحليل مركز الجزيرة للدراسات إلى أن الحرب الحالية وضعت دول الخليج أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، في وقت أصبحت فيه المنشآت الاقتصادية وسلاسل إمداد الطاقة جزءا أساسيا من معركة إقليمية متصاعدة قد تستمر ما لم تتدخل القوى الدولية لاحتواء التصعيد.


التعليقات