الشاعر زين العابدين الضبيبي في حوار مع "الموقع بوست": الشعر قدر وكيان وبطاقة هوية
- حوار: صلاح الواسعي السبت, 19 يونيو, 2021 - 06:24 مساءً
الشاعر زين العابدين الضبيبي في حوار مع

[ الشاعر اليمني زين العابدين الضبيبي ]

زين العابدين الضبيبي واحد من أهم الشعراء الشباب في اليمن، لا يمكنك أن تتحدث عن الشعراء في اليمن حاليا دون أن تتذكر زين العابدين الضبيبي.

 

قال عنه الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح في مقدمة "قطرة في مخيلة البحر": "زين العابدين الضبيبي الشاعر المتميز والمدهش، شاعرٌ موهوب بكل ما لكلمة موهوب من دلالات، تجمع بين الإبداع والابتكار، بدأ بكتابة الشعر وهو طالب، وقد فوجئت به منذ سنوات في أحد المهرجانات الذي كان لا يكاد عنقهُ يرتقي إلى فم الميكروفون وهو يقرأ شعراً بديعاً موزوناً مُحكماً ومفعماً بالأخيلة، صورهُ ومفرداته لا تمت إلى قاموسِ التقليديين بصلة، ومنذ ذلك الحين وأنا أتابع ارتحالاته الصاعدة نحو عالم الشعر كما ينبغي أن يكون في سرعة الضوء، كأنه يمتطي مركبةً صاروخية تقوده نحو الهدف الذي يتمثل بشعرٍ يشع حيوية وأصالةً وحداثة".

 

يرى زين العابدين أن الإغراق في الرومانسية عند الشعراء الشباب في اليمن هو مؤشر عجز عن ابتكار وقلة ثقافة وقراءة وتقوقع وهروب من الواقع.

 

يتحدث زين العابدين في هذا الحوار عن تجربته منذ أن كان بائعا على الرصيف مرورا بأول منصة اعتلاها ليقول أول قصيدة وليس انتهاء عند دواوينه الشعرية التي طبعت بعضها وبعضها ما زالت حبيسة الأرشيف تنتظر خلاصها.

 

زين العابدين واحد من الشعراء الذين أخلصوا للشعر عاشوا لأجله وعانوا لأجله وتحملوا وطأة الواقع لأجله يتجلى ذلك في قوله: "لو عاد بي الزمان إلى الوراء سأختار الشعر فهو بالنسبة لي قدر وكيان وبطاقة هوية".

 

نص الحوار:

 

* الحديث عن البدايات هو سرد قصة أول قصيدة.. حدثنا عن أول قصيدة شعر كتبتها في حياتك؟

 

** يكاد أن يكون هذا السؤال هو الاستهلال لكل حوار صحفي أو إعلامي أجريته من قبل وفي كل مرة أحاول أن أجيب عنه بطريقة مختلفة.

 

البدايات هي وليدة ذلك الإحساس الغامض الذي يدفع الموهوب في أي مجال نحو موهبته وتذكيه التجارب الشخصية أو الوجدانية أو من خلال القراءة والسماع والمشاهدة فيتعزز الانجذاب لهذا الفن أو ذاك الذي تنمو بذرته في داخل الموهوب وتكبر معه وتتطور بتطور وعيه ومعارفه. وذلك ما حدث لي مع الشعر حيث وجدتني شغوفاً به بداية من الأغاني كنت أسمعها في طفولتي ثم بحفظ النصوص المدرسية وقراءة القصائد حتى جاءت لحظة البوح الأولى والتي كانت في الصف الخامس الابتدائي ثم توقفت نتيجة لعدم وجود التشجيع والبيئة المساعدة حتى عادت الموهبة لتطفو على السطح في مرحلة الدراسة الإعدادية وكانت أول القصائد حول القضية الفلسطينية شاركت بها في الإذاعة المدرسية.

 

* في ديوان "توق إلى شجرة البعيد" كتبت الشعر الحر، غير أنك في "قطرة في مخيلة البحر" كتبت شعرا عموديا.. لكن مساحة القصيدة العمودية قليلة في أشعارك إذا ما قارنها بالشعر الحر.

 

** الشعر هو الشعر بأي شكل تعبيري وقد يجد الشاعر منا نفسه منجذباً لنمط كتابي معين، وقد وجدت نفسي أكثر في قصيدة التفعيلة لما تمنحه من مساحة حرية أكثر بعيداً عن القيود التي تفرضها القصيدة البيتية، وليس ذلك هروباً من الشكل العمودي ومن قيوده نتيجة عجز عن التعامل معها لكنه السعي نحو الاختلاف فلا زالت تجربة الشعر الحر بكراً وتمنح مساحة يستطيع المبدع فيها أن يصنع الاختلاف وتساعده على التعبير عن المضامين التي يريدها بطريقة أعمق خالية من التكلف والتكرار الذي وقع فيه الكثير من كتاب قصيدة العمود.

 

* ما سر الرومانسية في أشعارك؟

 

** الرومانسية هي النافذة الأولى التي تطل منها كل المواهب في مختلف الفنون التعبيرية وهي أحد أهم الاتجاهات التعبيرية التي قامت عليها الفنون والآداب. ولا شك أن لها مساحة في تجربتي لكنها مساحة معقولة جداً قياساً مع الاتجاهات التعبيرية الأخرى، وأعتقد أن النزعة الإنسانية هي الأبرز في تجربتي والتي تصنف في إطار الاتجاه الواقعي الذي ينطلق من تفاصيل الحياة وما يكتنفها من أمور وعوامل مهمة تترك أثرها على المنتج الإبداعي بشكل عام في كل بلد.

 

* لمن تقرأ من الشعراء قديما وحديثا؟

 

** لا يوجد اسم محدد ولا يمكن الاكتفاء بأسماء محددة، القراءة هي الغذاء الذي ينمو به جسد الموهبة، وكلما تنوعت مصادر الغذاء تشبعت الموهبة وتزودت بالعناصر الغذائية المفيدة التي تعزز صحتها وتحافظ على حيويتها وقوتها.

 

ولذلك على الشاعر وغير الشاعر أن يقرأ كل شيء وأن يحرص على التنوع والاطلاع في مختلف المجالات وليس فقط في الشعر، لأنه إن قرأ في مجال واحد سيصل إلى مرحلة السأم منه كما يسأم من تناول نفس الطعام كل يوم. إذن فالتغيير والتنوع في مصادر القراءة يقتضي بالضرورة التنوع في الإنتاج والقدرة على التحرك في مدارات أوسع من حيث المواضيع واللغة وثراء القاموس اللغوي والخيال وغيره من أدوات المبدع التي يحتاجها ولا بد من امتلاكها ليثبت قدميه بها في دنيا الإبداع.

 

* لمن تقرأ من الشعراء الشباب في اليمن حاليا؟

 

** لن تختلف إجابة هذا السؤال عن سابقه، فكما أن التنوع في القراءة في شتى الموضوعات مهم فإن التنوع في إطار الشكل الواحد مهم فلن تغنيك قراءة "المتنبي" عن قراءة من قبله ومن بعده من الشعراء كما لن تغنيك قراءة  ماركيز أو سقراط أو ابن خلدون عن قراءة كتب الرواية والفلسفة والتاريخ الأخرى. أقرأ للجميع وأعيد ما يعجبني وأسعد بكل نص جميل لأي مبدع يمني أو غير يمني.

 

* هناك من الشباب من لا يزال يكتب القصيدة الكلاسيكية ويحافظ على الشكل التقليدي للشعر شكلا ومبنى ولفظاً.. أليس من المهم أن نتجاوز هذه القيود الشعرية؟

 

** الفنون بشكل عام ومنها الشعر مرايا لعصرها التي كتبت وتكتب فيه ومن لا يكتب بلغة عصره ويصل إلى الناس في عصره هو إما موهوم أو يعيش خارج الزمن. والمبدع الحقيقي هو الذي يسعى بكل ما يستطيع لأن يبدأ من حيث انتهى السابقون. من يكتب بلغة شعراء العصر العباسي فلن يجد جمهور العصر العباسي على صفحة الفيسبوك أو في معارض الكتاب ومن يكتب بلغة "رامبو" فإنه لن يجد جمهوره متواجداً في أمسية شعرية في صنعاء أو تعز. الإبداع الحقيقي هو ابن عصره والعصور القادمة كشاهد على مرحلة زمنية يقرأه الناس في ما بعد كما نقرأ نحن من سبقوا ونقرأ أزمنتهم ومستوى التطور الذي وصلوا إليه ونتعرف على الأحداث التي عاشوها.

 

والتجديد سنة مهمة لا تستمر الحياة إلا به. وكما أن تفاصيل كل يوم جديد تختلف عن الآخر يجب أن تختلف الوسائل التعبيرية بلغة اليوم الذي نعيشه.

 

* هناك رومانسية قد تجدها في شعر الشباب اليمني ما سر هذه الرومانسية؟

 

** الرومانسية كما قلت لك هي نمط تعبيري قائم وموجود في كل الأزمنة والعصور ولن تجد تجربة إبداعية لم تخرج من نافذة الرومانسية، غير أن التقوقع فيها أو في غيرها لفترة طويلة يحتمل آمرين: الأول، باتخاذها من قبل المبدع وسيلة يهرب إليها وإلى إغراقها في الذاتية والغنائية من مرارة الوقع الذي لم يستطع الانسجام أو التفاعل معه.

 

والثاني، يأتي نتيجة عجز من يغرق فيها عن ابتكار أنماط تعبيرية جديدة نتيجة قلة الثقافة والقراءة وعدم الوعي أن المبدع الحقيقي هو من يتنوع ويتجاوز نفسه ويطور أساليبه ولغته ومواضيعه، وهذه التجارب ما لم تتجاوز هذا التقوقع فإنها ستجف وتذبل ولن تجد ما تقول بعد زمن قصير، ولذلك تغيب الكثير من الأسماء وتفقد حضورها ولا يبقى إلا المتطور والمتجدد والمختلف.     

 

* الشعر في واقع الحرب والدمار وسوداوية الواقع كيف يؤثر على مزاجك ونتاجك الشعري؟ ألا تشعر بالإحباط أم أن الحرب توفر مادة خصبة لقول الشعر؟

 

** لا شيء أقوى من الحرب يمكن أن يترك أثره على الإبداع الشعري وغير الشعري، وكلما كانت الحرب قاسية كان أثرها في نصوص المبدع وعلى حياته أكبر، وكلما كان الضرر الذي يلحق بالمجتمع  كبيراً والشاعر جزء من هذا المجتمع كان حضورها في ما يكتبه معبراً عما تحدثه من خراب وتشرد وموت.

 

الشاعر أكثر الناس إحساساً ومعايشة لمأساة شعبه وضمير مجتمعه وما لم يصرخ بلسانهم ويعبر عن وجعهم فسيجد نفسه منبوذاً منهم والقضايا الكبيرة هي التي تصنع المبدعين الكبار، ولا يمكن أن تكون الحرب مادة خصبة إلا للوجع والفجيعة.

 

والشاعر الذي تعيش بلاده في الحرب ولا تجد أثرها في ما يكتب ليس إلا مهرجاً في قاعة عزاء.

     

* حدثنا عن مآسي الشاعر في اليمن؟ ماذا يعني ان تكون شاعرا وتعيش في اليمن؟

 

** ما ينطبق على الشاعر ينطبق على سواه من المشتغلين بالكتابة والإبداع فهم في ظل الحرب في مواجهة مستمرة مع قسوة الحياة وظروفها في ظل غياب الرعاية والمؤسسات الثقافية ومصدر الدخل نتيجة انقطاع الرواتب، وكلما كان المبدع مستقلاً وبعيداً عن هوى تجار الحرب والمتحاربين كانت معاناته أشد فهو يجد نفسه وحيداً منبوذاً ينزف روحه وزاده الغربة وكلمات الإعجاب التي لا تصلح للأكل أو الملبس ولا تداوي رأسه من الصداع بدل حبات البنادول.

 

مآسي المبدع كبيرة بقدر صدقه وانحيازه للناس يدفعها كل يوم من حياته وقوت أطفاله وقد تكون سبباً في قتل موهبته وتوقفه عن الكتاب كما فعلت بالكثير من الزملاء بعد أن ضاق بهم الحال فبحثوا عن أعمال أخرى توفر لهم ما يطعمون به صغارهم.

 

* هناك من الشعراء من يتكسب من الشعر كأن يكتب نصوصا مناسباتية اجتماعية أو شخصية لقاء أجر، ما تعليقك؟

 

** من حق المبدع أن يكتب ما يريد وأن يستغل موهبته ويستفيد منها، بل عليه أن يسعى من أجل ذلك بقدر ما يستطيع طالما تنسجم هذه النصوص والكتابات مع قناعاته فليس في ذلك عيباً على الإطلاق. وسبق أن قلت في كتابة ما حول هذا الموضوع أن الإبداع موهبة ورسالة ووظيفة.

 

ومن لديه أي اعتراض عليه أن يوفر للمبدع ما يحفظ له كرامته وما يعيل به نفسه وأسرته ثم يلومه إن فعل.

 

* كتبت قصيدة عن المقالح قلت فيها "لولاك" ما كان لي لغة أو كتاب.. ماذا يعني لك الشاعر عبد العزيز المقالح؟

 

** المقالح رمز ثقافي يمني وعربي ويعني لي ما يعنيه باب اليمن وسد مأرب وما تعنيه لي اليمن من قيمة عظيمة في نفسي .

 

والدكتور المقالح هو أستاذي وأبي واليد الحانية التي انتشلتني من بائع على الرصيف وأخذت بيدي إلى المنصة وإلى عالم الإبداع وأدخلتني من أوسع أبوابه، والكلام عنه وعن ما يمثله لي أكبر بكثير من اختزاله في أسطر أو كتاب.

 

* كيف تقيم الحركة الأدبية في اليمن في الوقت الحالي؟

 

** حياة فردية مذهلة مليئة بالحيوية ولكنها في صحراء.

 

* لو عاد بك الزمان إلى الوراء وخيرت مرة أخرى بين الشعر وغيره هل كنت ستختار طريق الشعر مرة أخرى؟

 

** دون شك سأختار الشعر رغم المعاناة والبؤس والخيبات فهو بالنسبة لي قدر وكيان بطاقة هوية.

 

* رسالتك للشعراء الشباب من جيلك وللأجيال القادمة؟

 

** هذه البلاد عظيمة وتستحق منا الكثير ومن حقها أن تأخذ منا كل شيء ولو لم تمنحنا شيئاً.


التعليقات