"دموع الشوق" ألبوم النشيد المتزن الذي لا ينسى في اليمن
- عامر الدميني الجمعة, 06 مارس, 2026 - 01:20 صباحاً

[ دموع الشوق أحدث أبرز الأناشيد المميزة في اليمن ]

وكأني كنتُ على موعد غرامي، لأول مرة في حياتي كشاب مراهق، لكن الأمر لم يكن كذلك.

 

كان التوقيت لحظة نزول ألبوم "دموع الشوق" الذي قدمته فرقة اليرموك، بمحافظة إب.

 

التوقيت الرابعة عصر في مدينة تعز، في العشر الأولى من رمضان، قبل نحو ثلاثين عاما، دخلت إلى مكتبة لبيع الأناشيد في التحرير، دفعتُ قيمة الألبوم 120 ريالا من بقايا الفلوس التي حصلتُ عليها من جدي، رحمه الله، مقابل السفر إلى تعز وحمل رسالة إلى الشيخ الراحل محمد أحمد عبدالواحد باشا، رحمه الله.

 

مسكتُ الألبوم بيدي، وبدأ الشوق يداهمني، وأرى المسافة إلى المنزل في مذيخرة بمحافظة إب كأنه حول الكرة الأرضية، أريد الانطلاق بأقصى سرعة، لأصل وأشغل الشريط، على المسجل سانيو الخشبي، بعد تأمين البطاريات الحجري.

 

ركبتُ في هايلوكس بالجزء الخارجي، بين الهواء والريح، على طريق القاعدة، وصولا إلى إب، وكل وقت أدخل يدي لجيبي أتفقد الالبوم، وفي إب انتقلتُ لسيارة أخرى نحو العدين، ثم سيارة أخرى من العدين حتى مذيخرة.

 

كان السائق معروف، من البلاد كما يقولون، ومن بيت شعبان، وجدتها فرصة أخرجت الألبوم، وطلبت منه تشغيله، وعلى مضض فعل، ذلك أن المجتمع لم يكن قد تقبل فكرة النشيد، ودقيقة بعد أخرى، بدأ السائق يرفع الصوت، وينسجم مع الأناشيد المتتالية في الألبوم.

 

في منتصف الطريق قال لي، خلاص مسامح، لا تدفع أجرة الركوب، الشريط لي، وأنت تركب بلاش، رديت: لا، صمت، ثم أعاد السؤال كيم قيمته؟ 120 ريال، فعرض أن أركب مجانا، ثم يدفع لي قيمة الشريط أيضا، لكن الإجابة كانت: لا ومستحيل، ذلك أني بالكاد حصلتُ على الألبوم، وسيكلفني أكثر العودة إلى تعز أو إب لشراء نسخة أخرى.

 

الشاعر عبدالرحمن القاضي

 

وصلتُ مذيخرة، بعد صلاة العشاء، وهناك قطعتُ المسافة نحو بيتنا، لأجد أمي تنتظرني، بالشاهي المعد بالزر والهل، وبالمحلبية السميكة، المبردة في نافذة بيتنا، المطلة على الأشجار، لعدم وجود ثلاجة، ولا كهرباء، ولا أزال أشعر بذلك الطعم في لساني حتى اليوم.

 

ثم كان الذهاب إلى الشباب من الأصدقاء الذين كانوا ينتظرون في منزل صديقنا جميل النهاري، لنشغل الألبوم، ونسبح في ملكوت اللحن والكلمات، من ذلك الألبوم الذي طار انتظاره، بعد سلسلة إعلانات عنه كنا نتابعها أسبوعيا من وقت لآخر، في صحيفة الصحوة، التي كانت تصل بشكل متقطع إلى قريتنا، أو نستفسر عنه المسافرين العائدين من إب أو تعز.

 

الأستاذ: قائد أبوهشام

 

هذه المشاعر والتفاصيل من الذكريات لاتزال تتجدد بحذافيرها كلما استمعت مرة أخرى لهذا الألبوم، حتى بعد هذا الوقت كله، ولا شيء يرسخ في الذاكرة هكذا، إلا لحظة مميزة، أو ألم لا يشفى، لكنها كانت لحظة مميزة، بثوانيها، ومكانها وزمانها.

 

أنتجت هذا الألبوم فرقة اليرموك بالسارة، والتي تعد من أعرق مدارس النشيد في اليمن، ولها إسهامها الفني، في هذا الجانب، وقدمت سلسلة أعمال تمثل اليوم نفائس النشيد الإسلامي اليمني النقي، والمتميز، والأصيل، والمعبر عن قيم المجتمع الرفيعة، والغارسة لمفاهيم السلوك المعتدل، بعيدا عن الشطحات المذهبية، أو المناطقية، أو العرقية، أو المفاهيم الدينية الخاطئة.

 

اقرأ أيضا: الأناشيد اليمنية ورحلة التطور من البداية حتى التراجع (تحليل)

 

لكن هذا الألبوم بالنسبة لي وللكثير يمثل درة أعمال هذه الفرقة، التي ملأت حياتنا بأعمال متعددة، لا تجد فيها ما تمله، أو ترفضه، بل تستمع له من الثانية الأولى حتى الأخيرة، ولعل ما يميزها أن كامل ألحانها جديدة، ولم تعتمد على التراث، وكل قصائدها معبره وهادفة، ولم تضطر للنقل.

 

 

عندما نزل هذا الألبوم إلى السوق، كان بمثابة ترند، وفقا لمصطلح اليوم، بت تسمعه في السيارات، والبوفيات، والجلسات، ويتردد على ألسن الصغار، وينصت له الكبار بإعجاب، لقد غير فعلا مفاهيم عديدة في الناس، حتى لدى أولئك الذين يرون بالنشيد الديني حكرا على فئة معينة.

 

يبدأ الألبوم بنشيد ترحيبي، وينتهي بآخر وداعي، وهذا كان أسلوبا درجت عليه فرقة اليرموك، وغيرها من الفرق اليمنية، بحيث صار تقليدا متعارفا عليه، ثم يمضي في بقية الأناشيد المتعلقة بالذات الإلهية، والمعبرة عن الوجدان والحنين، والتفكر في مخلوقات الله، وقدرته وعظمته، والتعبير عن الامتنان له، والصبر والشوق، والتوق إلى مكة المكرمة، والتعبير عن التطلع للقاء الرسول الكريم، والصلاة عليه.

 

جميعها مفاهيم جسدتها الكلمات، وزينها اللحن البديع، وجاءت في زمن يخلو من المناطقية والمذهبية، وانفتاح واسع على مختلف الثقافات والتيارات السياسية في اليمن، وتزامنت مع توسع دائرة الاستقطاب السياسي التنافسي النظيف، ولكن أهميتها الأولى أنها كانت تنبع من رسالة قيمية مجتمعية تهدف للتوعية، والتزكية، والحث على الفضيلة.

 

اقرأ أيضا: أغاني العيد في اليمن.. أعمال خالدة وحنين للذكريات

 

في هذا الألبوم تعيش مع الأستاذ قائد أبوهشام، الذي يمثل المايسترو بالنسبة لفرقة اليرموك، بألحانه الفريدة، والمتجددة، ويمثل مدرسة بحد ذاته بابتكار الألحان العذبة، وتطويع الكلمات لتصبح إيقاعا فنيا مدهشا، وله العديد من الألحان، التي يستمع لها الناس، ولا يدركون أنها سائسها الأول.

 

تعيش أيضا مع الأستاذ عبدالرحمن القاضي، أستاذ الكلمات الهادفة، والقصائد المعبرة، والأناشيد المميزة، المتنوعة بطرحها، والعالية في مستوى رسالتها، والمتجددة في كل ألبوم، والشاملة لمختلف المجالات، من التغني بالذات الإلهية، إلى تزكية النفوس، إلى الباحثة عن السعادة، إلى المتطلعة للمستقبل، والباعثة للأمل، والمهذبة للأخلاق.

 

الفنان أمين حاميم

 

شكل القاضي مع أبوهشام ثنائي بديع في العمل الفني المشترك، يجمع بين الكلمة واللحن، وهذا الثنائي تكرر مع أشخاص آخرين، مثل أمين حاميم، وماجد الجبري، وغيرهم، وجميعهم خدموا المكتبة الفنية بالعديد من الأعمال ذات القيمة العالية.

 

من الأناشيد المشتركة في الألبوم، كلماتها للقاضي، وألحانها لقائد أبوهشام كلا من: أنشودة الترحيب، ويا لطيفا لم تزل، والوداعية "خير الأحباب"، ونشيد سبحان من برأ الجمال، وبدموعنا وأنينا، واللهم صلي.

 

في هذا الألبوم يظهر أيضا الأستاذ حسن البناء مبروك في نشيد أم القرى، ونشيد بذكرك يشدو، والخير والنور، والأستاذ صالح المريسي، في أنشودة بذكرك يلهج كل كياني، وكل الألحان للأستاذ قائد أبوهشام أيضا.

 

الفنان فواز الشهاب

 

غير أن الميزة الأخرى لهذا الألبوم تكمن في الصوت، الذي لا يمكن تجاهله على الإطلاق، وهم أعضاء الفرقة، والذين تحولوا لاحقا لقيادات شقت طريقها نحو أعمالها الفردية المميزة، مثل المنشد فواز الشهاب، والمنشد عصام الحميدي، وقائد أبوهشام نفسه، الذي كان يشارك في الأداء أيضا، وآخرين كصدام المليكي، وشخصيات عديدة، لا أتذكرها بالكامل.

 

وأجزم أن لهذا الألبوم قصة يجب أن تروى، ممن أعده، وقدمه، وأنتجه، لتكشف كيف جاء بهذا الإنتاج الفني البديع، وكيف خرجت ألحانه بهذه العذوبة، وكيف تشكلت قصته، وأتمنى ممن شاركوا فيه أن يتحدثوا، ويسردوا مثل هذه التفاصيل.

 

بالنسبة لي، ما بدا في لحظة ما قبل زمن، مجرد سعي للحصول على شيء جميل، بدافع المعرفة، والإعجاب، بات اليوم يمثل لحظة مليئة بالذكريات، التي تثير الأشجان، وتعيد للروح كل الزمان والمكان، وتجعلك تدرك قيمة هؤلاء الناس، وقيمة الرسالة السامية، وما تفعله بعقول النشء والشباب، وقيمة التذوق للأعمال الخالدة.

 

الفنان عصام الحميدي

 

شخصيا وجدتُ الذات في هذا الألبوم، إذ أن بعض ما احتواه من مقطوعات، كان يتجسد في الحياة الشخصية والعامة أيضا، فقد ترافق ذلك مع حملة تضييق بدوافع سياسية، لم تكن تملك لها حلا، أو مخرجا سوى الصبر، ولذلك كانت مقطوعة بدموعنا وأنينا نطفي لهيب قلوبنا، تعزية خالصة بالنسبة لي، ولغيري من الشباب وقتذاك، في مواجهة ما كنا نعيشه ونتعرض له.

 

لقد تحول حقا لدموع الشوق، فهو يعيدني إلى قرب أمي، التي تبكي كلما سمعت مقطوعاته، وتتذكر "عامر" ابنها" الذي اشترى هذا الشريط، وجلبه إلى المنزل، فالتصقت الذكريات بنا جميعا، فتدمع عينها لسماعه، وأكابد أنا الدموع شوقا إليها، وهي تبعد عني آلاف الكيلومترات، وسنين طويلة من الفراق.

 

وهو أيضا يضاعف الشوق، ويجري الدمع، على كل الوجوه التي عرفناها ونحن نستمع إليه، ونفتقدها اليوم، من شباب القرية الزملاء والأصدقاء، ومن أجواء القرية نفسها، والمقطوعات تتردد في صدى جبالها، وجدران منازلها، وغرف بيوتها الصغيرة المعتقة، وهوائها النقي، الذي لم يعرف التلوث.


التعليقات