رويترز: هذه كواليس سيطرة دمشق على مناطق قسد دون اعتراض أميركي
- رويترز - الجزيرة الخميس, 22 يناير, 2026 - 04:45 مساءً
رويترز: هذه كواليس سيطرة دمشق على مناطق قسد دون اعتراض أميركي

[ الشرع خلال لقائه مع مسؤول أمريكي ]

كشفت مصادر مطلعة أن سيطرة الحكومة السورية السريعة على مناطق واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم تكن وليدة تحرك عسكري مفاجئ، بل نتاج مسار سياسي وأمني تبلور عبر سلسلة اجتماعات مغلقة عُقدت في دمشق وباريس والعراق مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، وسط غياب أي اعتراض أميركي.

 

ونقلت وكالة رويترز عن 9 مصادر -دون الكشف عن هويتها- أن تلك الاجتماعات مهّدت الطريق أمام الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق مكسبين إستراتيجيين متوازيين:

 

الأول: المضي في تنفيذ تعهده بإعادة توحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية واحدة.

 

والثاني: عدم فقد حكومته لدعم الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

 

وأفضت العملية إلى تقويض فعلي لمشروع الحكم الذاتي الذي كانت القوات الكردية تطمح إلى تثبيته في شمال شرقي سوريا، في تحوّل جذري لموازين القوى في البلاد.

 

نهاية مشروع الحكم الذاتي الكردي

 

واعتمدت الولايات المتحدة على قسد قوةً برية رئيسية في شمال شرقي سوريا خلال حربها على تنظيم الدولة الإسلامية منذ عام 2015، ومع انحسار تهديد التنظيم، تحولت تلك المناطق إلى كيان شبه مستقل بإدارة مدنية وعسكرية منفصلة عن دمشق.

 

غير أن سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر 2024، وصعود أحمد الشرع إلى الرئاسة، دفع واشنطن إلى مراجعة حساباتها، بعد أن رأت -وفق مصادر مطلعة- في الحكومة السورية الجديدة شريكا أكثر قابلية لتوحيد البلاد وضبط الأمن.

 

وتعهد الشرع -أواخر عام 2024- بتوحيد سوريا وفرض السيطرة على جميع أراضيها، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة قسد، وعلى مدى أشهر من المحادثات خلال 2025، منح قسد مهلة عام كامل للاندماج في مؤسسات الدولة، غير أن تلك الجهود انتهت دون تحقيق أي تقدم ملموس.

 

من جانبه، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إن الولايات المتحدة أصبحت قادرة على الشراكة مع الدولة السورية، مؤكدا أنه لا مصلحة لواشنطن في الإبقاء على دور منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.

 

ضوء أخضر مشروط

 

وفي الرابع من يناير/كانون الثاني، قال 3 مسؤولين أكراد إن وزيرا سوريا أنهى بشكل مفاجئ اجتماعا في دمشق مع ممثلي قسد كان مخصصا لمناقشة آليات الاندماج، وفي اليوم التالي، توجه وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات أمنية بوساطة أميركية، شملت اتصالات غير مباشرة مع إسرائيل.

 

وقال مصدران سوريان مطلعان على تلك المحادثات إن دمشق طالبت تل أبيب بالكف عن تشجيع الأكراد على المماطلة في ملف الاندماج، مضيفين أن الجانب السوري طرح فكرة تنفيذ عملية عسكرية محدودة لاستعادة بعض المناطق.

 

وتنصلت قسد من تطبيق اتفاقها مع الحكومة الموقع في 10 مارس/آذار 2025، وهو ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرقي البلاد في إدارة الدولة وتأكيد وحدة أراضي البلاد وانسحاب قوات قسد من حلب إلى شرقي الفرات.

 

وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن الاتفاق بين دمشق وقسد يثير قلقا بالغا في إسرائيل التي كانت تراهن على إضعاف الدولة السورية عبر الدفع نحو انفصال منطقتي الأكراد والدروز وإقامة كيانات مستقلة فيهما.

 

وأفاد مصدر سوري آخر بأن حكومة دمشق تلقت رسالة غير مباشرة عبر تركيا، مفادها أن واشنطن لن تعارض تحركا عسكريا ضد قسد، شريطة حماية المدنيين الأكراد وضمان أمن مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

 

ونقلت رويترز عن المسؤولة السياسية الكردية هدية يوسف قولها إن الاتفاق الذي جرى في باريس "منح الضوء الأخضر" لشن العملية العسكرية.

 

من التحالف إلى الاستبدال

 

وبعد نحو أسبوعين من انطلاق العمليات، بدأت واشنطن في إرسال إشارات واضحة إلى قسد بأنها لم تعد تحظى بالدعم الأميركي الذي تمتعت به لسنوات، بحسب دبلوماسي أميركي ومصدرين سوريين.

 

وقالت المصادر إن براك أبلغ زعيم قسد مظلوم عبدي خلال لقاء جمعهما في 17 يناير/كانون الثاني بإقليم كردستان العراق، أن مصالح الولايات المتحدة أصبحت مع حكومة الشرع، لا مع قوات سوريا الديمقراطية، لكن مسؤولا في قسد نفى هذه الرواية.

 

وأكدت مصادر عسكرية أميركية وكردية أن واشنطن قدمت ضمانات لقسد تتعلق بحماية المدنيين الأكراد ومنع انهيار السجون التي تضم آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة. غير أن هذه الضمانات، بحسب مسؤولين أكراد، لم تترجم إلى خطوات عملية كافية على الأرض.

 

تقدم القوات الحكومية

 

في المقابل، كشف مصدر أميركي مطّلع على موقف واشنطن، إلى جانب مصدرين أميركيين آخرين على دراية بالسياسة الأميركية اتجاه سوريا، أن الشرع كاد يبالغ في تقدير هامش القوة المتاح له خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم.

 

وتمكنت القوات الحكومية السورية من انتزاع السيطرة سريعا على المناطق ذات الغالبية العربية التي كانت خاضعة لسيطرة قسد، وواصلت تقدمها الميداني، وبحلول 19 يناير/كانون الثاني، طوقت هذه القوات آخر المدن التي لا تزال تحت سيطرة القوات الكردية في شمال شرقي سوريا، رغم إعلان وقف لإطلاق النار في اليوم السابق.

 

وأفادت المصادر الثلاثة بأن الإدارة الأميركية أبدت استياء واضحا من تجاهل القوات السورية للهدنة، وأعربت عن مخاوف جدية من احتمال وقوع أعمال عنف جماعية بحق المدنيين الأكراد.

 

وأضاف مصدران أن بعض المشرعين الأميركيين بدؤوا بالفعل بحث إمكانية إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر التصعيد العسكري.

 

ونقلت رويترز عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن الولايات المتحدة تتابع التطورات في سوريا "بقلق بالغ"، داعيا جميع الأطراف إلى "إعطاء الأولوية المطلقة لحماية المدنيين، ولا سيما أبناء الأقليات".

 

ومع اقتراب القوات السورية من آخر معاقل الأكراد، أعلن الشرع بشكل مفاجئ وقفا جديدا لإطلاق النار، مؤكدا أن قواته لن تواصل التقدم إذا قدمت قسد خطة واضحة للاندماج ضمن مؤسسات الدولة بحلول نهاية الأسبوع.

 

وبحسب المصادر الأميركية، لقي هذا الإعلان ترحيبا في واشنطن، وأظهر الشرع بوصفه قائدا قادرا على الجمع بين الحسم العسكري والمرونة السياسية.

 

وبعد دقائق فقط، أصدر براك بيانا أكد فيه أن الدور الأساسي لقسد بوصفها قوة قتالية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية "قد انتهى إلى حد كبير"، مشيرا إلى أن الفرصة الحقيقية المتاحة أمام الأكراد تكمن في الانخراط ضمن الدولة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.

 


التعليقات