قاعدة الجفرة.. معركة ضد حفتر وأخرى ضد المرتزقة
- الأناضول الإثنين, 22 يونيو, 2020 - 08:34 صباحاً
قاعدة الجفرة.. معركة ضد حفتر وأخرى ضد المرتزقة

إذا كان تحرير قاعدة الوطية الجوية الليبية (غرب) سمح بانهيار مشروع الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في المنطقة الغربية، فإن قاعدة الجفرة الجوية (وسط) نقطة الارتكاز الرئيسية لمن يرغب في السيطرة على الأقاليم الثلاثة للبلاد.

 

لذلك فإن الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية، يسعى لاستعادة السيطرة على قاعدة الجفرة الجوية (650 كلم جنوب شرق العاصمة طرابلس)، مباشرة بعد تحرير مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس).

 

فبعد أن كان الهدف المعلن للجيش الليبي انسحاب مليشيات حفتر إلى ما قبل هجومه على طرابلس، في 4 أبريل/نيسان 2019، رفع سقف مطالبه إلى انسحاب المليشيات إلى ما قبل التوقيع على الاتفاق السياسي في 17 ديسمبر/كانون الأول 2017.

 

وهذا يعني انسحاب مليشيات حفتر عن سرت وكامل محافظة الجفرة وإقليم فزان (الجنوب الغربي).

 

روسيا تلقي بثقلها في الجفرة

 

لكن قاعدة الجفرة الجوية، التي سيطرت عليها مليشيات حفتر في 2017، أصبحت خاضعة بشكل أساسي لمرتزقة شركة فاغنر الروسية، والتي زودتها موسكو مؤخرا بـ14 طائرة حربية من نوع "ميغ 29" أس (مخصصة للتفوق الجوي والهجوم الأرضي معا)، بالإضافة إلى عدد من طائرات "سوخوي 24"، (مخصصة للهجوم الأرضي)، بحسب القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم).

 

ناهيك عن منظومات دفاع جوي من نوع "بانتسير"، وأجهزة تشويش، ونحو ألفي مرتزق من أوروبا الشرقية (روس وأوكران وصرب)، انسحبوا من جنوبي طرابلس بعد هزيمتهم أمام الجيش الليبي.

 

واتخذت مليشيات حفتر، قاعدة الجفرة، منذ بداية هجومها على طرابلس، مركزا لتحشيد عناصرها والمرتزقة الأفارقة، ومخزنا للمؤن والأسلحة والذخائر ثم إرسالهم إلى جبهات القتال في المنطقة الغربية قبل اندحارهم منها مؤخرا.

 

ورغم نفي روسيا تدخلها عسكريا في ليبيا، إلا أنه من الواضح أنها تسعى لإقامة قاعدة جوية دائمة في الجفرة، وأيضا قاعدتين بحرية وجوية في سرت ومطار القرضابية التابع لها، على غرار القاعدة البحرية في مدينة طرطوس، وقاعدة اللاذقية الجوية غربي سوريا.

 

والهدف من إقامة موسكو قواعد عسكرية جنوب البحر الأبيض المتوسط أكبر من ليبيا بكثير، وهو السعي لحصار الحلف الأطلسي (الناتو) من الجنوب ردا على الدرع الصاروخية للحلف غرب روسيا.

 

وفي هذا الصدد، نقلت السفارة الأمريكية لدى ليبيا، الخميس، في بيان، عن عميد مشاة البحرية الأمريكية برادفرد غيرنغ، مدير العمليات بأفريكوم، قوله "روسيا تواصل الضغط من أجل موطئ قدم استراتيجي على الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي".

 

فمعركة تحرير قاعدة الجفرة الجوية، من أصعب المعارك التي سيخوضها الجيش الليبي، إن فشلت الحلول الدبلوماسية، لأنها لن تكون ضد مليشيات حفتر لوحدها، بل ضد المرتزقة الروس ومن خلفهم.

 

الحاضنة الشعبية تتبرأ من حفتر

 

أحد الأسباب التي أدت إلى سقوط قاعدة الجفرة الجوية في 2017، تأليب سكان المحافظة التي تحمل ذات الاسم وتضم خمس بلدات رئيسية: هون، ودان، سوكنة، الفقهاء، وزلة.

 

ورغم أن هذه المناطق تصف نفسها بالمحايدة، إلا أنها مع اشتداد القصف الجوي (الأجنبي خاصة)، طالب أهالي الجفرة، القوة الثالثة التابعة لكتائب مصراتة بالخروج من القاعدة لتجنيب بلداتهم ويلات الحرب.

 

وهذا ما حصل فيما بعد، حيث انسحبت القوة الثالثة إلى مصراتة، في يونيو/حزيران 2017، ودخلت مليشيات حفتر قاعدة الجفرة الجوية، دون قتال، لكن انطلاقا من قاعدة براك الشاطئ (700 كلم جنوب طرابلس) بدلا من معاقلها الرئيسية في الشرق.

 

ويبدو أن نفس السيناريو يتكرر، حيث طالب المجلس البلدي الجفرة، قبل أيام، من جميع التشكيلات العسكرية، في إشارة إلى مليشيات حفتر والمرتزقة الأجانب، بمغادرة بلداتهم بما فيها قاعدة الجفرة الجوية.

 

فانقلاب الموازين لصالح القوات الحكومية، دفع المجلس البلدي الجفرة لتغيير موقفه والتخلي عن حفتر، على غرار عدة مدن في المنطقة الغربية.

 

ورغم أن هذه المطالبة شكلية، لافتقاد المجلس البلدي الجفرة القوة العسكرية الكافية لطرد حفتر ومليشياته والمرتزقة الروس، إلا أنها تعكس خسارة حفتر للحاضنة الشعبية بالمنطقة، والتي أصبحت مهيئة للعودة إلى الشرعية.

 

أكبر تهديد للموانئ النفطية

 

شكلت قاعدة الجفرة، بالنسبة لمليشيات حفتر، تهديدا كبيرا لمنطقة الهلال النفطي، إذ أنها كانت نقطة انطلاق لسرايا الدفاع عن بنغازي، التي تضم مقاتلين من الشرق (مناوئين لحفتر)، لتحرير الموانئ النفطية.

 

ونجحت سرايا الدفاع عن بنغازي، في مارس/آذار 2017، في السيطرة على ميناءي السدرة وراس لانوف بالإضافة إلى بلدتي النوفلية وبن جواد (شرق سرت)،

لكن التفوق الجوي لمليشيات حفتر، سمح لها بإعادة السيطرة على هذه المناطق بعد أيام فقط من خسارتها.

 

وبعد ثلاثة أشهر، استولت مليشيات حفتر على قاعدة الجفرة الجوية، لتأمين الموانئ النفطية من أي هجوم من الجنوب.

 

إصرار على تحرير قاعدة الجفرة

 

بالنسبة للحكومة الشرعية، فإن تحرير قاعدة الجقرة الجوية من أيدي مليشيات حفتر والمرتزقة الروس، مسألة حيوية لا تراجع عنها حيث شكلت الحكومة غرفة عمليات لتحرير سرت والجفرة، بقيادة إبراهيم بيت المال، منذ أشهر بهدف استعادة منطقتين استراتيجين استولى عليهما حفتر، بعد توقيع الاتفاق السياسي نهاية 2015.

 

فالسيطرة على قاعدة الجفرة الجوية، ستقطع طريق الإمدادت الرئيسية لمليشيات حفتر في مدن إقليم فزان وبالأخص قاعدتي تمنهنت بمدينة سبها (750 كلم جنوب طرابلس) وقاعدة براك الشاطئ.

 

ويعني ذلك سقوط إقليم فزان بكامل مدنه بين أيدي الجيش الليبي وبأقل الخسائر، خاصة وأن الحاضنة الشعبية لحفتر بالجنوب بدأت تتآكل، نظرا لفشله في إدارة أزمات المنطقة، وبالأخص أزمة الوقود، ومؤخرا انتشار فيروس كورونا بسبها.

 

لكن تحرير قاعدة الجفرة قد لا يتم إلا بتحرير سرت، التي تبعد عنها بنحو 300 كلم إلى الشمال، كما يمكن للقوات الحكومية التحرك من المحور الجنوبي عبر بلدة الشويرف (280 كلم غرب قاعدة الجفرة)، بالإضافة إلى محور أوسط ينطلق من أبوقرين (110 كلم جنوب مدينة مصراتة) ووادي جارف باتجاه قاعدة الجفرة جنوبا.

 

ويتطلب تحرير الجفرة، تحييد سلاح الجو لحفتر، وخاصة طائرات ميغ29 وسوخوي24، والطائرات الصينية المسيرة وينغ لونغ، وكذلك تدمير منظومات الدفاع الجوي بانتسير.

 

وسبق للقوات الحكومية أن نجحت في تحييد الطائرات المسيرة في محيط طرابلس، وتدمير 9 منظومات دفاع جوي بانتسير، بمناطق مختلفة، لكن لم يسبق وأن تعاملت مع طيران حربي متطور مثل "ميغ29 آس"، المتخصصة في السيطرة الجوية، وهو ما يتطلب أسلحة أكثر تطورا لمنع حفتر من تسيد سماء المعركة.

 

فالسيطرة على قاعدة الجفرة تفتح كل الخيارات أمام القوات الحكومية، ليس فقط السيطرة على الهلال النفطي الاستراتيجي وإقليم فزان وحقوله النفطية، بل أيضا الزحف نحو مقر حفتر في منطقة "الرجمة" بمدينة بنغازي (شرق) لإسقاط مشروع الحكم العسكري في كامل شبر من ليبيا.


التعليقات